إسماعيل الطالب علي
إسماعيل الطالب علي
"اطلب العلم من المهد إلى اللحد".. شعار رفعه رجل سبعيني من العمر، ينحدر من ضواحي مدينة تنغير الغابرة بمنطقة تدعى "أمسمرير"، مجسدا رغبة ملحة في طلب العلم، لدرجة أن يحصل في سن متأخرة جدا على شهادة البكالوريا التي اعتبرها حلمه الذي تحقق.
"عامل السن لم يكن عائقا بالنسبة إليه لتحقيق هدفه"، هكذا يقول "لحسن شاكيري" ذو الـ69 عاما، الذي أبهر المجتمع المغربي، والذي استطاع أن ينال شهادة البكالوريا في دورتها الاستدراكية هذه السنة، بعدما فشل قبل شهر من ذلك من أن يحصل عليها في دورتها العادية.
وهو يعبر عن فرحته بما حققه وأنجزه لـ"مواطن"، غمرته الغيرة الشديدة على شباب المغرب غير المتعلم، الذي لا يعير للدراسة اهتماما، على حد قوله إذ يقول "لو قدر وفشلت في أن أحصل على البكالوريا هذه السنة، فإني سأتأثر بشكل كبير جدا، لكن ليس لأجلي، بل من أجل الذين ساندوني وحفزوني وآمنو بي، لدرجة أن دعموني لأصبح قدوة لشباب اليوم".
"هذه أول مرة أترشح للبكالوريا، وقد استطعت بتوفيق من الله أن أنجح في ذلك"، هكذا يؤكد شاكيري الذي أوضح أنه قد غادر مقاعد الدراسة في الستينيات من القرن الماضي، غير أنه كان دائما ما كان يطالع ويقرأ الروايات والكتب، بشكل دائم، لدرجة أن أصبح ذلك عادة عنده، بحيث أنه "في حياتي كلها منذ بداية التعلم لم أفارق مجانسة الكتاب، حيث استمر الوضع كما هو عليه، إلى أن صادفتني الحياة بأحد الأصدقاء الذي جمعتني معه نقاشات سنة 2013، على إثرها اقترح علي أن أترشح للبكالوريا"، على حد تعبيره.
وهي الفكرة التي راودت "شاكيري" منذ ذلك الوقت، إلى حين أن قرر خوص غمار هاته التجربة، خصوصا بعدما تمكن أولاده الستة من الحصول على شواهد جامعية أدناها البكالوريا، ليظل الوحيد الذي لم يحصل عليها، إذ يحكي أنه على إثر ذلك "تقدمت إلى اجتياز امتحانات الباكالوريا ضمن فئة الأحرار، لكن رفض طلبي بسبب عدم توفره على الشروط المطلوبة في ذاك الوقت، لكن بعدما حصلت على شهادة السلك الإعدادي سنة 2014، تمكنت بعد 4 سنوات من ذلك بسبب ظروف لازمتني أن أقوم بالترشح لاجتياز الامتحان الوطني لنيل شهادة الباكالوريا ضمن فئة الأحرار شعبة الآداب، غير أنني فشلت في الدورة العادية، حيث حصلت على معدل 9.88".
عن الفشل يقول "عمي لحسن" كما يسميه التلاميذ الذي اجتازوا معه امتحانات "الباك" في ثانوية بومالن داداس، "هذا الفشل لم يمنعني من إعادة المحاولة، لكوني كانت لدي رغبة جامحة من أجل تحقيق هدفي، حتى وإن كان لم يتيسر النجاح هاته السنة، كنت سأحاول سنة بعد سنة، لكن شاءت الأقدار أن يكون نصيبي أن أنجح في أول ترشح لي بعد جهد كبير، لأنال شهادة البكالوريا بمعدل 11.29".
نجاح "عمي لحسن" الذي شهده الجميع، لم يقف عند هذا الحد، بل تعداه لأجل أن يحقق نجاحات أخرى، كاشفا لـ"مواطن" أنه يعتزم الالتحاق بكلية الآداب بالرشيدية لاستكمال دراسته في تخصص اللغة الفرنسية، خصوصا وأنه يتقنها وحصل فيها على معدل 17".
إتقانه للغة الفرنسية، يقول عنه المتحدث أنه نتاج تراكم، إذ منذ أن دخل المدرسة في صغره قد كانت أغلب المواد تدرس بالفرنسية، فضلا عن كونه اشتغل بعد خروجه من الدراسة في منجم للفضة ضواحي مدينة تنغير، حيث كان فيه عدد من الرؤساء الفرنسيين، "وهو ما كان يتطلب أن نتحدث معهم باللغة التي يفهمونها، وبالتالي بفعل هذا الاحتكاك والممارسة المباشرة، تمكنت من إتقانها، إلى جانب ذلك كنت أقرأ عددا من الجرائد التي كانت تصدر في ذاك الوقت"، يبرز لحسن.
ففي حفل للتميز بتنغير، لتسليم بعض الجوائز للطلبة الناجحين، يشير "عمي لحسن" أنه عندما وصل دوره لتسلم الجائزة "اقترح أحد الحاضرين أن ألقي كلمة بالمناسبة باللغة الفرنسية، فقمت بذلك أمام الجميع، فتعجب الحضور، لدرجة أن بعضهم علق على ذلك "لا بد لنا من معجم لترجمة كلماته"، هكذا يعرب شاكيري مازحا.
وهو يستحضر بداية علاقته بالدراسة، يحكي أنه "منذ البداية وأنا صغير لم أكرر أي فصل دراسي، غير أن الظروف الاجتماعية والمادية كانت السبب الرئيسي لمغادرة الدراسة، لأخرج إلى ميدان العمل لإعالة الأسرة خصوصا وأنا الأكبر سنا بين إخوتي الذكور"، هكذا يوضح لحسن، الذي أشار إلى أنه في سنة 1976 درس "الميكانيك" في التكوين المهني، حيث حصل على شهادة في ذلك خولته للاشتغال مباشرة بعد ذلك، لتصبح مهنته الأساسية.
يلمس المرء عند حديثه مع "شيخ مرشحي الباكلوريا"، كما أضحى يلقب من قبل رواد مواقع التواصل الاجتماعي، أنه في كل مرة دائما ما يقدم نصائح لشباب، إذ يقول في هذا السياق، أنه "على الإنسان أن يكون مثقفا وواعيا، ويجب أن يدرس لأجل أن يكون في مستوى تطلعات المجتمع، وليس بالضرورة أن يدرس لأجل أن يصبح موظفا".
فصورة المواطن بالنسبة له، يشدد المتحدث هي أن "يكون في مستوى تطلعات المجتمع، بوعيه وثقافته وليس بمجرد دراسته فقط"، مشيرا إلى أنه "كنت أعمل في الميكانيك ودائما كانت حالتي يرثى لها، لكن بمجرد أن أنتهي من العمل كنت دائما ما أحمل كتابا أو مجلة أو جريدة، وأطالع محتواها".
المثير للانتباه في هذا الصدد، أن بعضا من الشيوح بالمنطقة، أضحوا بعد هذه المبادرة التي قام بها "شكايري"، ينكتون فيما بينهم بشأن "استفزاز" شباب اليوم الذي يدرس، بمقولة "ستدرسون وإن لم تفعلوا فاتركوا لنا المجال لنا نحن الشياب لندرس".
أكبر مترشح لاجتياز امتحانات الباكلوريا في المغرب، وهو يتحدث بلهجة تغلب عليها الهوية الأمازيغية، يؤكد على أنه يجب أن نستحضر معنى حكمة "اطلب العلم من المهد إلى اللحد"، ونضعها أمامنا، وبالأمازيغية يقول "ألمود الموت" وهو ما يعني "تعلم حتى الموت"، لكن بالرغم من ذلك فإن الكثيرين لا يستحضرون مع كامل الأسف هذه الحكم والمعاني، يشدد المتحدث.
فبهذا النجاح الذي حققه "عمي لحسن" لا يمكن القول إلا أنها رسالة قوية إلى الأجيال الصاعدة مفادها أنه بدون إصرار وإرادة قوية لا يمكن أن تحقق المبتغى!، فكما خلق الحدث وأعجب به الجميع، ينتظر المرء ماذا سيحقق في المستقبل القريب عندما يلج الجامعة!
13 juillet 2026 - 23:30
13 juillet 2026 - 12:00
11 juillet 2026 - 17:00
10 juillet 2026 - 12:00
10 juillet 2026 - 10:00
عندكم 2 دقايق
مواطن حمدي
صوت المواطن