مصطفى أزوكاح
" باركا من الشطارة .. حضيوها لا يديوها الشفارة .. درهم واحد .. ثمن رخيص ماشي غالي .. حائط الموت ".. تلك من بين النداءات التي كان يسترعي بها علي بلحسين انتباه جمهوره، الذي كان يهرع إليه كي يشاهد عروضه التي كانت تتم على مشارف الموت.
من الوجوه الشعبية التي استقرت في ذاكرة المغاربة.. كان يستفز الموت كي يبث الفرح في نفوس الناس الذين كانوا يحضرون عروض "أنجاد علي بحلسين" في حائط الموت. علي بلحسين "حاْئط الموت ياناس".
كلما طفت ذكراه على السطح يعتصرون الكثيرون ذاكرتهم كي يستخرجوا نتفا مما تختزنه من ذلك الرجل الذي كان يستفز الموت يوميا، يواجهه، يقتحمه، ينازله بالكثير من الإقدام والفرح الذي يتابعه الشهود بالكثير من الدهشة التي تسكن العيون و تسري في كل الحواس التي تختلج لحركات ذلك المغامر الذي يدخل عرين الموت كأنه يلج ساحة الرقص، لكن تلك الدهشة ما تفتأ أن تترك مكانها للخوف، فيضع الجميع أياديهم على قلوبهم التي تتسارع نبضاتها علي إيقاع تحرك سيد حائط الموت..
رحلة نحو حائط الموت
الدهشة والخوف لا يفارقان من يشهدون ذلك العرض..وهو إحساس يهجم عليهم بقوة كلما استدعوا ذكرى " على بلحسين" .. حائط الموت زهد في كل شيء في سبيل حائط الموت.. فهذا الأمازيعي المنحدر من مدينة تيزنيت، غادر مدينته في سن الرابعة عشرة، على متن دراجة هوائية، في اتجاه الدار البيضاء..
في تلك المدينة سوف يلتقي بأحد الإيطاليين الذي سيلقنه أبجديات المخاطرة على متن الدراجة النارية التي كان يقدم على متنها عروضا داخل حليه كروية الشكل.. لكن " المعلم " الإيطالي ما لبت أن قرر مغادرة المغرب، ويسلم المشعل لعلي بالحسين الذي لم يقنع بما ورثه عن معلمه،بل شرع في التفكير في وسيلة تتيح له التميز.
هكذا تمكن من بناء حائط الموت الذي يقوم على تحدي الجاذبية، حيث يقود الدراجة الناريه على جدران دائرية، ويصعد إلى الأعلى، حيث يحتشد المشاهدون، الذين تقترب منهم الدراجة، دون أن تتجاوز خطا أحمر يفصلها عن أولئك المشاهدين، الذين يستسلمون لحالة من الانبهار والخوف ، فلا يقوي بعضهم على مواصلة مشاهدة عرض علي بلحسين.
كان بحلسين يأخذ على دراجته أوضاعا لا يتخيلها الكثيرون حتي في الحالات العادية للسياقة، فتارة يرفع يديه عن المقود أو يمسك بعلمين بطريقة متقاطعة وتارة يقف على مقعد الدراجة التي تسير بكامل سرعتها و تارة يقود الدراجة رفقة إحدى محبات المغامرة الإسبانيات..
مارس استفزازه للخطر، بالكثير من الشغف و الحب و الإخلاص، فقد نذر حياته لحائط الموت، ولم يثنه سقوطه في إحدى المرات في الحلبة الكروية التي ورثه عن معلمه الإيطالي، و إصابته بكسور على مستوى الركبة والكاحل، عن مواصلة ما نذر له حياته.
تحدي الموت دون ادعاء
لم يكن يكفتي بتقديم عروضه الشيقة داخل الحلبة، فقد أدرك منذ البداية أهمية ضمان وفاء محبيه لما يقدمه، حيث كان يقف في بعض الأحيان أمام مدخل الحلبة بقامته الطويلة و بشرته السمراء التي تذكر الكثيرين بطلعة الملاكم العالمي محمد علي كلاي، وبجانبه مغامرة إسبانية في لباس أبيض..لم يكن يدخل الحلبة إلا بعد أن يطمئن بأن كل شيء معد بدقة متناهية..
الجمهور الذي يثير فضوله في الخارج بصوت محرك الدراجة النارية التي يعرضها في الخارج، يتسابق من أجل الصعود إلى أعلي الحلبة من أجل مشاهدة العرض.. الدراجة نفسها تخضع لفحص دقيق للتأكد من أنها لن تخذله في منتصف الطريق..
جاب بسيركه جميع المناطق المغربية، حيث لم يكن يتردد في تقديم عروضه في المدن الأخرى البعيدة عن الدار البيضاء إلى درجة أصبحت المخاطرة رديفة لعلي بلحسين الذي كان يمارس عشقه ذاك دون ادعاء.
لم يكن ذلك البطل الذي كان محبوه يتخاطفون صوره مقابل درهم واحد في المناطق التي يحل بها، يطلق العنان يوما للحديث عما كان يأتيه من عروض عجيبة. كان يتصرف في البيت كأي أب، يحظى بالاحترام و التقدير، حريص على تربية الأبناء بالكثير من الحزم.
وعندما فكر يوما في نقل عشقه لحائط الموت إلى فلذات كبده ما لبث أن عدل عن ذلك. فقد كان يعتقد بأنه من الأفضل لهم أن يهتموا بدراستهم، إذ لا مستقبل لهم في حلبة الأخطار،غير أنه لم يتمكن من الحيلولة دون ابنه المرحوم خالد، والسير على خطاه، حيث كان يخلفه في ارتياد الحلبة منذ بلوغه الثامنة عشرة..
مغامر مبدع
علي بلحسين لم يكن عاشقا للمغامرة فقط، فقد أسفر عن حس إبداعي رفيع منذ أن سكنه حب الدراجة النارية، هو لم يقنع بالحلبة الكروية الشكل التي ورثها عن معمله الإيطالي، بل شرع في التفكير في حلبة من نوع خاص، فأشرف على تصميم الشكل الدائري الجديد الذي تعرف عليه المغاربة.. استغرق منه ذلك الكثير من التفكير و الجهد..
إبداع أبهر الكثيرين إلى درجة أن آخرين سعوا إليه من أجل شراء التصميم لكنه رفض، فما كان منهم، إلا أن تسللوا إلى الحلبة من أجل الوقوف على سرها و بناء أخرى، كي يشرعوا في منافسة المبدع الأول الذي كان يتمتع بثقة كبيرة في النفس عصمته من الاستسلام للخوف من المنافسين الجدد.
لكنه لم يركن لذلك الإحساس الذي يستخف بالمنافسين، بل ابتدع طرقا جديدة في إثارة فضول الجهمور، وما كان منه إلا أن أتى بابنيه الصغيرين التوأمين لحسن والحسين اللذين ركبا الدراجة النارية المثبتة على محدلة rouleau، حيث يدعسان على البنزين و يعطي تحرك الدراجة في مكانها الإحساس بأن الطفلين منطلقين في طريق تشبه حلبة سباق الدراجات..
رعاية الخلف
تلك طريقة دفعت جانبا من الجمهور إلى أن يولي وجهه عن منافسي علي بلحسين، خاصة أنهم كانوا يزعمون أنهم من تلاميذ ذلك المعلم.. الذي كان حريصا مع ذلك على تكوين خلف له تتوفر فيه صفات الشغف والوفاء لحائط الموت، فبالإضافة إلى ابنه المرحوم خالد الذي ورث عنه ذلك الوله، لم يبخل بما اكتسبه من معرفة على اثنين من مريديه اللذين اكتسبا شهرة كبيره في ما بعد، إنهما "حسن الموطوريست" المعرف ب"حسن البيضاوي" و "محمد السيكليس" بالكثير من الإعجاب، إذ برعا في سياقة الدراجة النارية.
محمد السيكليس دأب على سياقة الدراجة النارية في حلبة مظلمة مع ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر، لكنه لم يكن يخل بالقواعد التي لقنها له علي بلحسين الذي يعامل مريديه كما لو كانا ابنين من صلبه.
شغف بالدراجات
حائط الموت يفترض التوفر على دراجة نارية تستطيع تحدي الجاذبية، هذه حقيقة كان يدركها علي بلحسين جيدا، لذلك حرص على التوفر علي دراجة ذات قوة دفع تجعل صعود الحائط الدائري من أسفل إلى أعلى أمرا مضمونا..
دأب علي بلحسين، على البحث عن الدراجات التي يمكنها أن تستجيب لما يتطلبه ارتياد حائط الموت. اكتسب مع مرور السنوات خبرة كبيرة بأنواع الدراجات، وعندما يقتني واحدة منها، يفككها و يعيد تركيبها بعد أن يكون قد أدخل عليها بعض التحسينات التي ترفع من قوة تحملها.
شغفه بالدراجات لم يخب بعدما كف عن دخول الحلبة. شغف انتهى إلى مسمع أحد الإسبانيين من محبي الدراجات النارية، الذي اقترح على علي بلحسين شراكة، لقت هوى في نفسه، فقد اتفقا على أن يتولى سيد حائط الموت البحث عن دراجات متهالكة من الصنف المخملي النادر ويبعث فيها الحياة من جديد..
وذلك ما أفلح فيه، فقد كان يقتني تلك الدراجات التي يفقد أصحابها الأمل في العودة لركوبها مرة أخرى ويقوم بتفكيكها وإعادة تركيبها و إعادة صباغتها و تغليف مقعدها بجلد أصيل.. قبل أن يعمد إلى بيعها.
حلم في رسومات
لكن الحلبة ظلت تستغرق تفكير بلحسين بعد أن توقف عن ارتيادها..فقد وضع رسومات بعد فيها تشكيل حائط الموت حتى بعد أن كف عن منازلة الموت. رسومات تعتني بالتفاصيل الدقيقة و تحيط بكل الجوانب..
كان ينكب على ذلك لساعات بالكثير من الجهد والتركيز و التفاني في إعداد تلك الرسومات التي كان يتطلع أن تساعده على تطوير تلك الحلبة التي نذر لها حياته. لكن الحلم الأكبر الذي شغل علي بلحسين في السنوات الأخيرة من عمره، تمثل في تطوير حلبة تتحرك داخلها سيارة ودراجتان في نفس الوقت.. ذلك تحد رفعه بالكثير من الإصرار.
خلده حميد بناني في فيلم " وشمة" في نهاية السبيعينيات من القرن الماضي، حيث يظهر علي بلحسين في حائط الموت في أحد المشاهد.. وهو المشهد الوحيد الذي يخلد فيه سينمائيا ذلك المغامر، الذي مازالت صوره تترى في ذاكرة الكثير من المغاربة الذين كانوا يقبلون على عروضه بالكثير الفرح مأخوذين بحركاته الخارقة التي كانت تثير الدهشة والخوف في النفوس.
15 juillet 2026 - 09:00
14 juillet 2026 - 11:00
13 juillet 2026 - 23:30
13 juillet 2026 - 12:00
11 juillet 2026 - 17:00
عندكم 2 دقايق
مواطن حمدي
صوت المواطن05 juillet 2026 - 10:00