عبد القادر الفطواكي
يمثل التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للمغرب أكثر من مجرد سرد للأحداث أو تسجيل للوقائع؛ فهو إطار لفهم الديناميات التي شكّلت مجتمعا متعدد الطبقات، غنيا بالتنوع الثقافي والهوية المحلية، وقادرا على الصمود أمام تحولات سياسية واقتصادية كبيرة. من الأسواق التقليدية التي كانت منصات للتضامن والتبادل والتسيير الذاتي، إلى الطوبونيميا التي تحفظ ذاكرة المكان وتؤرخ للتجارب الجماعية، يمتد التاريخ ليكشف كيف تشكلت البنى الاقتصادية والاجتماعية وأسهمت في صوغ شخصية المجتمع المغربي على مر القرون.
لكن دراسة هذا التاريخ لا تخلو من تحديات منهجية ومعرفية. فالتعامل مع المصادر الشفوية والأرشيفية يستدعي دقة علمية عالية، وإمعانًا في فهم السياق الاجتماعي والثقافي، لاكتشاف طبقات التاريخ غير المدوّن، وفهم كيفية تفاعل الفاعلين المحليين مع المتغيرات الاقتصادية والسياسية. وهكذا، يصبح التاريخ ليس فقط أداة لتأريخ الماضي، بل مرجعًا لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، وإعادة الاعتبار للهوية المغربية في مواجهة الروايات السائدة والمقاربات التقليدية.
في هذا الحوار المعمق، يقدم الدكتور محمد أوبيهي، أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة محمد الخامس بالرباط، قراءة جديدة لهذه الظواهر، موضحًا دور الطوبونيميا في إعادة بناء الذاكرة التاريخية، والتحديات المنهجية للبحث الاجتماعي، والمكانة الفعلية للتاريخ الاقتصادي داخل الحقل الأكاديمي المغربي.
- في اشتغالك على التاريخ الاقتصادي للمغرب، كيف يمكن إعادة قراءة البنيات التقليدية (مثل الإكودار والأسواق المحلية) باعتبارها أنظمة إنتاج وتدبير، وليس فقط كتراث ماضوي؟
يشكل التاريخ الاقتصادي أحد المداخل الأساسية لفهم التطور التاريخي لاقتصاد الدول والشعوب، لأنه يقارب الظواهر الاقتصادية من منظور المنهج التاريخي. وهو توجه كرّسته مدرسة الحوليات الفرنسية في انفتاحها على مقاربات منهجية جديدة.
أما في حالة المغرب، فهناك العديد من الدراسات التاريخية التي قاربت التاريخ الاقتصادي من زوايا متعددة، من بينها مساهمة عمر أفا في تاريخ التجارة والنقود، وأعمال الطيب بياض حول ضريبة الترتيب، ودراسة رشيد اليملولي حول تطور النظم الضريبية في مغرب العصر الوسيط.
غير أن مقاربة تاريخ الأسواق المحلية، باعتبارها أنظمة محلية لتدبير الإنتاج، لا تزال في حاجة إلى مزيد من التثمين ورد الاعتبار، نظرا لكونها تشكل نموذجا فريدا للاقتصاد المحلي الذي يقاوم أنظمة الاقتصاد الرأسمالي. فقد شكلت الأسواق المغربية، عبر التاريخ، مجالا للتضامن والتآزر، وفضاء لحل الخلافات، ومنصة لتسويق المنتجات المحلية
- إلى أي حد يمكن اعتبار الطوبونيميا مدخلا علميا إعادة بناء الذاكرة التاريخية للمجال المغربي، خاصة في ظل هيمنة الروايات الكولونيالية على كتابة التاريخ؟
لا بد من التأكيد على الأهمية البالغة التي تكتسيها الطوبونيميا في بناء الذاكرة التاريخية للمغرب، إذ تشكل أسماء المدن والقرى والمواضع الجغرافية رصيدا رمزيا وثقافيا يعكس عمق الهوية الحضارية للمجتمع المغربي. فهذه الأسماء ليست مجرد دلالات مكانية محايدة، بل تحمل في طياتها آثار التراكمات التاريخية، وتجسد تفاعل مكونات ثقافية متعددة، من أمازيغية وعربية وإفريقية وأندلسية، في إطار ما يميز المغرب من تنوع وغنى حضاري.
وقد اضطلعت الطوبونيميا، عبر التاريخ، بوظيفة أساسية في حفظ الذاكرة الجماعية، من خلال تخليد أسماء القبائل، والأعلام، والوقائع التاريخية، والأنشطة الاقتصادية، بل وحتى الخصائص الطبيعية للمجال. غير أن هذه الذاكرة لم تسلم من محاولات الطمس والتشويه، خاصة خلال فترة الاستعمار حيث سعت الإدارة الاستعمارية إلى إعادة تسمية العديد من الأماكن، أو تحريف نطقها وكتابتها، في إطار سياسة ترمي إلى تفكيك البنيات الرمزية للهوية المحلية وإحلال نموذج ثقافي مغاير.
ورغم هذه المحاولات، ظلت الطوبونيميا المغربية تحتفظ بقدر كبير من أصالتها، بفضل الذاكرة الشعبية واستمرار التداول الشفهي، مما يجعلها اليوم مجالا خصبا للبحث التاريخي والأنثروبولوجي، وأداة أساسية لإعادة قراءة تاريخ المغرب من منظور ثقافي يعيد الاعتبار للهوية المحلية ويبرز غناها وتعدديتها.
- ما هي أبرز الإشكالات المنهجية التي تواجه الباحث في التاريخ الاجتماعي المغربي عند التعامل مع المصادر الشفوية مقابل الأرشيفات المكتوبة؟
كما هو متعارف عليه أكاديميا، فإن البحث في حقل الدراسات التاريخية يقوم على منهج علمي دقيق في بناء الحدث التاريخي وتحليله، من خلال إخضاع المعطيات المصدرية لمبادئ النقد التاريخي بشقيه الداخلي والخارجي. ولا يقتصر هذا المنهج على تتبع الوقائع السياسية أو العسكرية، بل يتسع ليشمل مقاربة قضايا التاريخ الاجتماعي، الذي يركز على دراسة المجتمعات في مختلف تجلياتها.
فالتاريخ الاجتماعي يهتم بالتأريخ لبنية المجتمع، من حيث تكوين الأسر، وأنماط العيش، والعلاقات الاجتماعية، وأدوار الأعراف والتقاليد والتنظيمات الاجتماعية (كالقبيلة، والزوايا، والنقابات الحرفية…) في توجيه سلوك الأفراد والجماعات. كما يسعى إلى فهم دينامية تاريخ التغير الاجتماعي، وكيفية تفاعل الفئات المختلفة داخل المجتمع، بما في ذلك الفئات الهامشية التي غالبا ما غيبت في الكتابات التاريخية التقليدية.
أما على مستوى المصادر، فإن البحث في التاريخ الاجتماعي يستند إلى قاعدة متنوعة ومتكاملة، تقوم على تعدد مستويات قراءة المادة التاريخية. فهو يعتمد، من جهة، على المصادر المكتوبة بمختلف أصنافها (كالوثائق العدلية، والسجلات الرسمية، والرسائل، والمذكرات، وكتب التراجم والرحلات)، ومن جهة أخرى، على المصادر الشفوية التي تكتسي أهمية خاصة في إعادة بناء تاريخ الفئات التي لم تترك آثارا مكتوبة، مثل الذاكرة الجماعية، والروايات الشفوية، والشهادات الحية.
- كيف تقيمون موقع التاريخ الاقتصادي المغربي داخل الحقل الأكاديمي اليوم؟ وهل ترون أنه ما يزال مهمشاً مقارنة بتاريخ السياسة أو الأحداث؟
ما يزال التاريخ الاقتصادي في الدراسات الأكاديمية المغربية مجالا محتشما نسبيا، رغم ما راكمته بعض الإسهامات النوعية التي سبق ذكرها، والتي حاولت مقاربة هذا الحقل من زوايا متعددة. ويعزى هذا الاحتشام إلى جملة من العوامل، أبرزها صعوبة الاشتغال على هذا النوع من المواضيع بسبب ندرة المصادر الكمية، وتشتت الوثائق المرتبطة بالحياة الاقتصادية، سواء في الأرشيفات الرسمية أو في الرصيد العدلي والمحلي.
كما أن البحث في التاريخ الاقتصادي يقتضي أدوات منهجية متعددة التخصصات، تستدعي الانفتاح على حقول مثل الاقتصاد، والسوسيولوجيا، والأنثروبولوجيا، وهو ما لم يحظ دائما بالاهتمام الكافي داخل الجامعة المغربية. ومع ذلك، فإن التحولات التي يشهدها البحث التاريخي، بدأت تفتح آفاقا جديدة أمام إعادة الاعتبار لهذا المجال، من خلال التركيز على البنيات الاقتصادية، ودراسة أنماط الإنتاج، وشبكات التبادل، ودور الفاعلين المحليين في تشكيل الديناميات الاقتصادية.
ومن ثم، فإن الحاجة اليوم باتت ملحة لتوسيع دائرة البحث في التاريخ الاقتصادي، عبر استثمار مصادر جديدة، مثل الأرشيفات المحلية والوطنية المتعلقة بالتجارة، والروايات الشفوية، وكذا دراسة الفضاءات الاقتصادية الصغرى كالأسواق الأسبوعية، باعتبارها وحدات تحليلية قادرة على الكشف عن آليات اشتغال الاقتصاد المحلي، وإبراز خصوصياته في مواجهة التحولات الكبرى، بما في ذلك اختراقات الاقتصاد الرأسمالي.
03 avril 2026 - 17:00
25 mars 2026 - 11:00
10 mars 2026 - 10:00
19 février 2026 - 12:00
17 février 2026 - 13:00
ضيوف المواطن
عندكم 2 دقايق26 mars 2026 - 14:00