عبد القادر الفطواكي
لم يكن عيد الأضحى هذه السنة مناسبة للفرح الجماعي كما جرت العادة، بل تحول في وجدان شريحة واسعة من المغاربة إلى لحظة مثقلة بالقلق والخيبة. وجوه شاحبة، وأسواق مضطربة، وأثمان بلغت مستويات غير مسبوقة… مشهد غير مألوف في مناسبة لطالما ارتبطت بالطمأنينة والتكافل والفرح المشترك.
ما حدث لم يكن مجرد ارتفاع عابر في الأسعار، بل أزمة مركبة كشفت عن اختلالات عميقة في تدبير سوق موسمي حساس. فقبل أيام قليلة من العيد، وجدت آلاف الأسر نفسها أمام واقع صادم: عرض محدود لا يواكب الطلب، وأسعار تتجاوز القدرة الشرائية، واختفاء شبه تام للأضاحي في بعض المدن الكبرى. حينها، لم يعد السؤال كيف نحتفل، بل هل نستطيع أصلا أن نحيي هذه الشعيرة؟
الأسباب، في جوهرها، ليست طارئة. هي نتيجة تراكمات لسنوات من غياب الرؤية الاستباقية، وترك المجال مفتوحا أمام المضاربة والوساطة غير المنظمة. في كل موسم، يتكرر نفس السيناريو: كسّابون يشتكون من كلفة الإنتاج، ومستوردون يبررون، و"مشتقة" يحققون أرباحاً خيالية، ومستهلك يجد نفسه الحلقة الأضعف في سلسلة مختلة التوازن.
المشكل لا يكمن فقط في قلة العرض، بل في كيفية تدبيره. فحين تغيب آليات الضبط الصارمة، وتضعف المراقبة، يتحول السوق إلى فضاء للفوضى، حيث تحدد الأسعار بمنطق الربح السريع لا بمنطق العدالة الاقتصادية. وحين تتأخر التدخلات الرسمية إلى اللحظات الأخيرة، يصبح أثرها محدوداً، بل وأحيانا شكليا، لا يغير من واقع الأزمة شيئا.
الأكثر إيلاما أن هذه الأزمة مست جانبا رمزيا عميقا في المجتمع المغربي. فالأضحية ليست مجرد سلعة، بل طقس ديني واجتماعي يعكس قيم التضامن والانتماء. وعندما تعجز فئات واسعة عن ممارسته، فإن الأمر يتجاوز الاقتصاد ليطرح أسئلة حول العدالة الاجتماعية وجدوى السياسات العمومية.
اليوم، لم يعد النقاش محصورا في ما وقع، بل في ما يجب أن يقع مستقبلا. فالمغاربة لا ينتظرون تبريرات بقدر ما يطالبون بضمانات ملموسة تتجلى في سوق منظم، شفافية في الأسعار، دعم حقيقي للمنتجين الصغار، وضرب فعلي للمضاربة. كما أن تدبير مثل هذه المناسبات يقتضي يقظة مبكرة، تنطلق قبل أشهر، لا قبل أيام.
إن ما جرى خلال هذا العيد يجب أن يقرأ كجرس إنذار، لا كحادثة معزولة. فإما أن تُستخلص الدروس وتباشر إصلاحات حقيقية تعيد التوازن للسوق وتحمي القدرة الشرائية، أو أن يتكرر نفس السيناريو في مواسم قادمة، مع ما يحمله ذلك من آثار اجتماعية ونفسية أعمق.
في النهاية، قد يختلف المغاربة حول المسؤوليات، لكنهم يتفقون على شيء واحد: فرحة العيد ليست ترفا، بل حق جماعي، وحين تُسلب، يصبح السؤال مشروعا… من أفسد فرحة عيد المغاربة؟
01 juin 2026 - 10:00
23 mai 2026 - 13:00
07 mai 2026 - 10:00
27 avril 2026 - 10:00
20 avril 2026 - 10:00
عندكم 2 دقايق03 juin 2026 - 20:00