عبد القادر الفطواكي
أعاد الجدل الذي أثارته تدوينة حساب “جبروت” بشأن ممتلكات نزار بركة طرح سؤال قديم يتكرر كلما تعلق الأمر بالمسؤولين العموميين: أين ينتهي الحق المشروع في مساءلة السياسيين حول ممتلكاتهم؟ وأين يبدأ التسرع في إطلاق الاتهامات وتحويل الشبهات إلى “حقائق” قبل أي تحقيق قضائي أو مؤسساتي؟
في الأنظمة الديمقراطية، من الطبيعي أن تخضع الشخصيات العمومية للنقاش والتدقيق، خصوصا عندما يتعلق الأمر بعقارات أو استثمارات ذات قيمة مالية مرتفعة. لكن هذا الحق لا يمكن أن يتحول إلى محاكمات افتراضية مبنية على الاستنتاجات أو الانطباعات أو المقارنات الشعبوية بين الدخل الظاهر ومستوى العيش المفترض. فالقانون وحده هو الجهة المخول لها التحقق من مصادر الأموال، وليس منصات التواصل أو الحسابات المجهولة.
وفي حالة نزار بركة، فإن اختزال مساره في كونه “موظفا سياسيا” لا يمكن أن تكون له مصادر دخل أخرى فهذا أمر لا يستقيم، فالرجل راكم مسارا مهنيا طويلا تدرج من خلاله في عدد من المناصب وتقلد العديد من المسؤوليات، الرجل ينتمي إلى واحدة من أبرز العائلات السياسية والفكرية في المغرب، كما أن زوجته تنتمي بدورها إلى عائلة ميسورة والإدارية. إضافة إلى ذلك، راكم بركة منذ سنوات طويلة مسؤوليات حكومية ومؤسساتية عليا، من بينها رئاسة المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وحقائب وزارية متعددة، وهي مناصب تخول مداخيل وتعويضات قانونية مهمة.
ثم إن الحديث عن أداء مبلغ كبير “دفعة واحدة” لا يشكل في حد ذاته دليلا على وجود مخالفة أو شبهة فساد. فالقانون المغربي لا يمنع اقتناء العقارات ذات القيمة المرتفعة إذا تمت الإجراءات عبر موثق وبوثائق رسمية وأداءات مصرح بها. كما أن الحديث عن الأداء بـ"الكاش" أمر مستحيل ولا يمكن لأي موثق أن يقع في شراكه، بالقانون المغربي يشدد على أن "الكاش" لا يمكن اعتماده وطريقة للأداء إذا تجاوز 5000 ألف درهم، زد على ذلك أن غياب معلومات في “قواعد بيانات” متداولة على الإنترنت لا يعني تلقائيا غياب مصادر تمويل قانونية، لأن جزءا مهما من المعطيات المالية والعقارية للأفراد يظل محميا بمقتضى قوانين الخصوصية والسر المهني.
الأخطر في مثل هذه الحملات أنها تخلط بين النقد السياسي المشروع والتشهير الشخصي. فبمجرد تداول اتهام ما على نطاق واسع، يصبح المتلقي أمام “إدانة شعبية” حتى في غياب أي تحقيق رسمي. وهذا مناخ يهدد الحياة السياسية برمتها، لأنه يجعل أي مسؤول عمومي عرضة للتجريم المعنوي بناء على تسريبات أو تدوينات غير موثقة.
ولا يعني هذا الدفاع عن الإفلات من المحاسبة أو منح السياسيين حصانة أخلاقية. بالعكس، من حق الرأي العام أن يطالب بالشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. لكن ذلك يجب أن يتم عبر المؤسسات المختصة، من قضاء وهيئات رقابية وتصريحات بالممتلكات، لا عبر محاكم التواصل الاجتماعي التي تختلط فيها الوقائع بالإشاعات والتصفية السياسية.
في النهاية، تبقى قرينة البراءة مبدأ دستوريا وقانونيا لا يسقط أمام “الترند”. وأي اتهام يتعلق بالإثراء غير المشروع أو تضارب المصالح يحتاج إلى أدلة مادية وتحقيقات رسمية، لا إلى سرديات مبنية على الاستغراب من امتلاك سياسي لعقار فاخر أو الانطباع بأن دخله “لا يكفي”.
ومن هذا المنطلق، فإن أفضل رد ممكن من نزار بركة لا يكمن في الصمت الطويل أو الاكتفاء بتجاهل الجدل، بل في الخروج للرأي العام بتوضيح هادئ ومسؤول يضع المعطيات في إطارها القانوني والمؤسساتي، حفاظا على الثقة في العمل السياسي وعلى صورة المؤسسات. فالتوقيت الذي خرجت فيه هذه “التسريبات” والاتهامات لا يبدو بريئا بالكامل، خاصة في سياق سياسي يعرف تجاذبات مبكرة حول التوازنات والرهانات المقبلة، ما يفتح الباب أمام فرضية توظيف الحملات الرقمية في تصفية الحسابات أو إضعاف خصوم سياسيين عبر صناعة الشبهة وتوجيه الرأي العام. غير أن مواجهة هذا النوع من الحملات لا تكون بالانفعال أو التخوين، بل بالوضوح واحترام ذكاء المواطنين، لأن الشفافية حين تقترن بالقانون تبقى أقوى من أي ضجيج افتراضي.
10 mai 2026 - 11:00
09 mai 2026 - 11:00
09 mai 2026 - 10:00
08 mai 2026 - 10:00
08 mai 2026 - 09:00
ضيوف المواطن
عندكم 2 دقايق