عبد القادر الفطواكي
يبدو أن المسافات لا تغيّر الجغرافيا فقط، بل تغيّر أيضا نبرة الخطاب. فالرجل الذي لم يترك شاردة ولا واردة خلال كأس إفريقيا بالمغرب إلا وعلّق عليها، وتحول إلى مفتش عام على التنظيم والإقامة والأمن والتفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، وجد نفسه هذه المرة في الولايات المتحدة أمام مشهد مختلف تماما.
في المغرب، كانت التصريحات حادة والاعتراضات جاهزة والبيانات تخرج بسرعة البرق. أما في أمريكا، وبعد انتشار صور التفتيش الأمني الصارم للاعبي ومنتخب السينغال على مدرج المطار، اختفت لغة الاحتجاج فجأة، وحل محلها صمت يكاد يكون كاملا.
لهذا أطلق بعض المتابعين على باب تياو لقب "باب مياو". ليس لأن وزنه الرياضي تغير، بل لأن شخصيته الإعلامية بدت وكأنها فقدت الكثير من جرعات الجرأة التي كانت تستعرضها عندما شرب صاحبنا حليب السباع، في كل حديث يتعلق بالمغرب.
المفارقة أن المغرب استقبل الوفود الإفريقية بحفاوة كبيرة، ووفر للمنتخبات ظروف إقامة وتحضير وتجهيزات أشاد بها كثيرون. ومع ذلك لم يتردد بعض المسؤولين السنغاليين في توجيه الانتقادات وإثارة الجدل في أكثر من مناسبة. أما عندما جاء الدور على الولايات المتحدة، فقد بدا المشهد مختلفا، فلا بيانات نارية، ولا مؤتمرات غاضبة، ولا شكاوى متواصلة.
الرياضة تعلمنا أن القوة الحقيقية لا تظهر عندما يكون الخصم قريباً أو عندما يكون المناخ ملائما، بل عندما تُطبق المعايير نفسها على الجميع. أما أن ترتفع النبرة في الرباط وتنخفض في واشنطن، فذلك يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مدى ثبات المواقف.
اليوم، لا يحتاج المغاربة إلى الرد أو التبرير. فالصور التي انتشرت حول العالم تكفلت بالمهمة. وقد اكتشف كثيرون أن البلد الذي وُجهت إليه الانتقادات بالأمس كان في الواقع أكثر كرماً وهدوءا مما حاول البعض تصويره.
وهكذا، وبين الرباط وواشنطن، سقطت الكثير من الشعارات، وبقي درس واحد: من يوزع الانتقادات بسخاء عليه أن يكون مستعدا لتذوقها عندما تدور الأيام. أما باب "مياو"، فقد وجد نفسه فجأة يكتشف أن الزئير شيء، والمواء شيء آخر.
08 juin 2026 - 18:00
01 juin 2026 - 10:00
23 mai 2026 - 13:00
07 mai 2026 - 10:00
27 avril 2026 - 10:00
عندكم 2 دقايق