مريم بوتوراوت
قرب المحطة الطرقية "القامرة" في عاصمة البلاد، اعتاد الرباطيون على تواجدهم في الأزقة أو في الملاعب المحيطة بالحي...يفترشون الأرض ويبيتون في العراء، وبعضهم يستجدي المارة وسائقي السيارات قرب تقاطعات الطرق...هم مهاجرون تحول حلم عبورهم إلى الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي إلى مأساة تشرد في إحدى أكبر مدن البلاد.
جلهم يعتبر المغرب مجرد محطة عبور إلى "الفردوس الأروبي"، بعد أن قضوا أسابيع وربما شهورا طويلة في رحلة الوصول إلى المملكة، طمعا في تجاوز المعابر الحدودية لمدينتي سبتة ومليلة المحتلتين..."حاولت في بادئ الأمر الهجرة إلى أروبا عبر الأراضي الليبية، إلا أنني لم أتوفق في ذلك بسبب الظروف الأمنية هناك، لأنتقل إلى تونس ومنها إلى الجزائر قبل أن ينتهي بي المقام في المغرب"، يقول ديابي، الشاب الكاميروني بلكنة انجليزية تختلط بكلمات فرنسية، الأمر الذي يزيد من الصعوبات التي يواجهها في المغرب، قبل أن يضيف "نعم أعاني من عدة مشاكل هنا، لكنها تبقى هينة أمام ما واجهته خلال رحلة سفري ومكوثي في تلك البلدان".
وصول هؤلاء الشباب إلى المناطق المحيطة بالمحطات الطرقية بالمدن الكبرى كان عن طريق حملات تنقيلية نظمتها السلطات المغربية، وفق توضيحات بلال الجوهري، مسؤول التواصل بالمجموعة المناهضة للعنصرية والمدافعة عن حقوق الأجانب والمهاجرين..."الهجرة ليست ظاهرة جديدة في المغرب، لكن ما حصل انه منذ سنة 2015 بدأت حملات تمشيطية في الغابات المجاورة لمدينتي مليلية وسبتة التي كانت تحتضن مخيمات لهؤلاء المهاجرين، تلتها عمليات تنقيل لابعادهم الى المدن الداخلية، والتي كانت في البداية تقتصر على المدن الجنوبية كتيزنيت وانزكان واكادير، إلى أن صارت هذه العمليات تتم بشكل روتيني"، وذلك أمام إصرار الكثير من هؤلاء على المضي في خططهم للهجرة، خصوصا وأن ضمنهم من تم إبعاده أكثر من عشر مرات ورغم ذلك يكرر المحاولة.
المهاجرون المتواجدون في محيط محطة "القامرة" ليسوا كلهم من الحالمين بالضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، كجاكوب، الشاب الكاميروني، الذي رمى به ضيق ذات اليد وعدم التوفق في الحصول على عمل إلى اقتسام العراء مع المئات من الشباب المنحدرين من دول افريقيا جنوب الصحراء.
"حصلت على شهادة الإجازة في علم الاجتماع سنة 2014...اشتغلت في بداية الأمر مع بعثات أجنبية متعددة في إنجاز بحوث سوسيولوجية في بلدي"، يحكي جاكوب بصوت تملؤه الحسرة "صحيح أنني كنت أعمل، إلا أن الراتب الذي كنت أتقاضاه لم يكن شيئا يذكر ولم يكن يكفي لتلبية احتياجاتي، فالعمل في بلادي لا يعتمد على المهارات التي تمتلكها، والمعيار الأهم هو المستوى الدراسي العالي في مقابل غلاء مصاريف استكمال دراسة الماستر"، ليبقى الخيار الأفضل أمام الشاب العشريني هو الهجرة إلى المغرب للبحث عن فرصة لمتابعة التعليم.
بعد جهد جهيد، وصل جاكوب إلى المغرب، لتصطدم آماله بصخرة واقع لم يسهل عليه فرص الحصول على عمل كما كان يأمل في ذلك، حيث لم تسفر جهوده منذ وصوله إلى المغرب منذ ما يناهز الستة أشهر على الحصول على موطئ قدم في أحد مراكز الاتصال كخطوة أولى لتأمين عيش كريم في أفق البحث عن فرص مواصلة الدراسة، الأمر الذي اضطر الشاب إلى اللجوء إلى العراء بمحيط محطة القامرة إلى حين تحسن أوضاعه.
"العيش في بلد لا تتكلم لغته ليس بالأمر السهل، هناك مغاربة طيبون وآخرون يجعلون حياتنا أكثر صعوبة"، يروي المتحدث قبل أن يكشف أنه تعرض لاعتداء قبل أيام من طرف بعض الشباب الذين أرادوا سرقة هاتفه المحمول البسيط، والذي يعتبر صلة الوصل الوحيدة مع أهله " على العموم، لا يمكن وضع الناس كلهم في سلة واحدة، هناك اطفال وشباب يحاولون مضايقتنا ويطالبوننا بالرحيل، كما أن هناك أناسا طيبين يساعدوننا"، يقول جاكوب.
زكرياء أكضيض، الباحث في علم الاجتماع بمركز مدى للدراسات والابحاث الانسانية يرى أن المضايقات التي يتعرض لها المهاجرون المنحدرون من دول افريقيا جنوب الصحراء يرجع إلى " تنامي نوع من التصورات العدائية اتجاه الاجنبي خصوصا المهاجرين المتحدرين من الدول الافريقية، اعتقد بأن المغرب ما زال ثقافيا وقانونيا غير مستعد لتقبل الآخر المختلف".
هذه التصورات تنبني حسب المتحدث على "صورة نمطية سائدة عند عامة الناس تقول ان هذا الاجنبي جاء لكي يهدد مصدر رزقنا وأمننا، علاوة على مجموعة من التمثلات التي يتغدى عليها الوعي الجمعي والتي تجعل هؤلاء المهاجرين يوضعون في موضع مساءلة وموضع نقد". تجاوز هذه التصاورات يستلزم حسب الباحث عملا ميدانيا تحسيسيا في سبيل "اعتبار هؤلاء الأشخاص مواطنين خصوصا بعد فتح المغرب لباب تسوية أوضاعهم"، وفق تعبير المتحدث الذي أكد على أن "المغرب فتح بوابة الهجرة على مصراعيها لكن الدولة لم توفر الامكانيات اللوجيستيكية والاطار القانوني والاستعداد الثقافي لتقبل المهاجرين".
من جهته، يرى الجوهري أن تجنب الحوادث كالتي عرفها محيط محطة اولاد زيان منذ أيام بمدينة الدار البيضاء يستلزم بلورة حلول إنسانية لهؤلاء المهاجرين "حتى لا يبقوا عرضة لتقلب الأحوال الجوية والاحتكاك مع الساكنة"، فحسب المتحدث ما وقع بالبيضاء "كان متوقعا في ظل وجود تكتل كبير في وضعية لا انسانية، بطبيعة الحال ستقع حوادث بغض النظر عن المتسبب فيها هل هم المهاجرون أم المواطنون المغاربة".
ويضيف الجوهري "هؤلاء يعيشون أوضاعا في غاية الصعوبة، في غياب ولوج للصحة و السكن والدخل القار، وهو ما ينضاف إلى مشاكل الاغتراب واللغة والثقافة"، الأمر الذي يستلزم "التفكير في حلول انسانية كمراكز استقبال مفتوحة يمكن أن يلجأ اليها المهاجرون للنوم او للحاجيات البسيطة حتى لا تتفاقم أوضاعم".
كما طالب المتحدث بتوسيع السياسة الوطنية للهجرة و" انسنتها" لتشمل المهاجرين الذين لا يفكرون في الاستقرار، وكذا اعادة النظر في التعامل معهم في محيط مدينيتي سبتة ومليلة المحتلتين، مشددا على أن " الحالة النفسية لهذه الفئة تجعلهم غير مؤهلين للعنف، فتركيزهم منصب نحو مشروع الهجرة ما يجعلهم يسعون إلى تجنب المشاكل والحزازات مع الساكنة، وهو واعون بأنهم في بلد العبور يعتبرون فيه اقلية وفي خطر وهو في غنى عن المشاكل القانونية"، يوضح الحوهري.
وفي انتظار ايجاد حلول لأوضاعهم، يبقى جاكوب وديابي ورفاقهم "محتمين" بالعراء في محيط المحطات الطرقية، يبحثون عن قوت يومهم وجمع المال الكافي للعودة إلى محيط سبتة ومليلة لاستكمال حلمهم ب"الفردوس الأروبي".
24 juillet 2026 - 12:45
24 juillet 2026 - 09:00
23 juillet 2026 - 11:00
21 juillet 2026 - 10:00
20 juillet 2026 - 14:00
مواطن حمدي