إسماعيل الطالب علي
أول شيء يجذب انتباه الشخص الذي يزور مدينة تطوان، هو ذلك الاحترام الذي يبديه السيارات اتجاه الراجلين، حيث بمجرد أن يخطو المرء أولى خطواته على الطريق، يتوقف السائقين مانحين إياه أسبقية العبور، في مشهد قل نظيره في شوارع باقي المدن المغربية.
كثيرون ممن زاروا "الحمامة البيضاء"، ولمسوا بشكل جلي ذاك الاحترام للآخـر وإعطاء الأسبقية للراجلين وكذا احترام المسنين من طرف السائقين، لتترك لديهم انطباعاً راقياً مترسخا في أذهانهم، لكنّ المرء يتساءل لماذا يحظى الراجلون في هذه المدينة بتقدير كبير من لدن السائقين؟
هدوء أعصاب..
مشهود لتطوان بكونها مدينة هادئة، بحيث أنه قلما يسمع المرء كلاما نابيا أو يصادف مشاجرات، بين أزقة وشوارع هذه المدينة.
في وسط المدينة، بالرغم من زحمة المرور فيها، إلاَّ أنّ سائقي السيارات لا تجدهم يلجؤون إلى استعمال منبهات عرباتهم عند الإشارات الضوئية، إلا قليلا.
هدوء أعصاب ذلك الذي يحظى به سائقو العربات بتطوان، إذ أحيانا وأمام زحمة المرور هاته، لا يكاد يسمع المرء ذاك الصفير المزعج لمنبهات السيارات، الذي يحث العربات بعضها البعض على الإسراع والاستعجال.
وفي مقابل هدوء الأعصاب هذا، تجد الراجلين آخذين أريحيتهم في العبور، في انعدام تام لما قد يجعلهم يهرولون مسرعين لعبور الشارع، خصوصاً إذا تعلق الأمر براجلين مسنين يريدون أن يعبروا الطريق.
"إذا شُفتي شي واحد مماشيشي فالطريق د الراجلين، اعرف بلي غريب على المدينة ديانا"، هكذا تحكي إحدى مواطنات هذه المدينة، وهي تؤكد بنبرة يعلوها اليقين على أن إلزامية العبور من ممر الراجلين أمر لا نقاش ولا جدال فيه.
الأكثر لفتا للانتباه، هو الاحترام الشديد للراجلين، إذ تارة يجد السائق نفسه أمام حالة عبور أشخاص في غير الممرات المخصصة لهم، بالرغم من ذلك، تجد السيارات تتوقف في حينها مانحة إياهم أسبقية العبور، ما يوحي بأنَّ السائقين بشكل أو بآخر لديهم تلك الفكرة الراسخة على أن كل راجل يضع رجله في الطريق إلا ويجب السماح له بالعبور.
ثقافة احترام الآخر..
يقول المثل العربي: من جاور العطار نال من طيبه ومن جاور الفحام نال من سواده.لعل هذا القرب الجغرافي من أورويا، ساهم في تأثر التطوانيين بالثقافة الأوروبية التي أرخت بظلالها بشكل ملموس في سلوكيات وآداب التطوانين، وفي مستعملي الطريق سواء أكان الأمر يتعلق بالراجلين أم بالسائقين، مرسخة لديهم هذه المبادئ الفاضلة.
وهناك من يرى أن ما تحقق في هاته المدينة من سمو الاحترام الذي يطبع علاقة السائقين بالراجلين، مرده إلى انعدام الأنانية بين التطوانيين وشيوع روح التسامح الذي يتشبع به السكان، والذي تشكل عبر مراحل تاريخية وفي ظروف ثقافية معينة، لتتكرس بعد ذلك جيلا بعد جيل، خصوصا عبر التنشئة الاجتماعية وكذا دور الآباء في تلقين الأشبال هذه المبادئ.
لا يستغرب العارف بتفاصيل هذه المدينة، هذا التصرف الصائب ساكنة تطوان التي يوجد بها من أقدم معاهد الموسيقى في المغرب والفنون الجميلة عامة، فضلا عن احتضانها لدار الثقافة ولقاءات سينمائية ومسرحية لا تخلو منها هذه المدينة.. باعتبار أنّ للثقافة تأثير كبير على تصرفات البشر خاصة فيما يخص الاحترام في التعايش.
احترام الراجلين للممرات المخصصة لهم واحترام السائقين لحق الأسبقية، قد لا يرتبط بالضرورة باحترام القانون، بل ينم عن سلوك راق يعبر عن تربية وثقافة راسخة تدفعهم لاحترام الراجلين.
يظل احترام السائقين للراجلين هاته، علامة مميزة لمدينة تطوان ليقال عنها حقا إنها حمامة بيضاء بما تحمله الكلمة من معنى!
21 juillet 2026 - 10:00
20 juillet 2026 - 14:00
20 juillet 2026 - 13:00
18 juillet 2026 - 13:00
17 juillet 2026 - 14:00
مواطن حمدي15 juillet 2026 - 11:00