مجتمع
ما الذي يدفع المغاربة إلى استخدام "شرع اليد"؟
مريم بوتوراوت
بعد انتشار فيديو الاعتداء على طالبة جامعية وسائق سيارة بدعوى تواجدهما في سيارة بمفردهما في يوم رمضاني، عادت إلى الأذهان الفيديوهات التي يظهر فيها بعض المواطنين يقومون بالاعتداء على مواطنين آخرين بدعوى "حماية مشاعر " الآخرين و"النهي عن المنكر"، كحالة فتاتي انزگان ومثلي طنجة وغيرها..فما الذي يدفع المغاربة إلى "شرع اليد"؟ وما الذي جعل هذه اللحوادث تتكرر؟
الحسن السكنفل، رئيس المجلس العلمي لعمالة الصخيرات تمارة، شدد في تصريحات ل"مواطن" على أن "إصدار الأحكام هو من اختصاص القضاء، أما تنفيذها فهو من اختصاص السلطة التنفيذية ، و ليس لأحد أن يقوم بهذا العمل دونهم"، حسب ما جاء على لسان الداعية الذي تابع "و من سولت نفسه التطاول على اختصاص القضاء أو السلطة التنفيذية فهو " مفتئت " على السلطان، أي متطاول على اختصاصه داع إلى الفتنة و يجب على السلطة أن تضرب على يده بقوة تحفظ للسلطان سلطانه و للدولة هيبتها" .
واعتبر المتحدث أن "دعوى محاربة المنكر ليست مسوغة للتطاول على اختصاص القضاء أو السلطة التنفيذية التي يجب عليها إلى جانب الوقوف ضد هؤلاء، ومنع كل ما يخل بالآداب العامة، فهذه مسؤوليتهم، لأن تغيير المنكر باليد اختصاصهم باعتبارهم ممثلين للسلطة الحريصة على السلم الاجتماعي و الأمن الأخلاقي داخل البلد"، وفق ما جاء على لسان الفقيه.
من جهته، قال منتصر حمادة، الباحث مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث بالرباط، إنه "بالرغم من أن الحالات التي يُطلق عليها وصف "قضاء الشارع" محدودة بشكل عام، على الأقل وفقما تكشف عنه وسائل الاتصال، إلا أن وتيرتها في تصاعد، إذا قارننا هذه الحالات، في الكم والنوع، بين الأمس واليوم".
وأوضح الباحث في شؤون الحركات الإسلامية أن "هذه الحالات مرتبطة بدرجة الوعي ونسبة الأمية (الأبجدية والوظيفية) والوضعية الاجتماعية والاقتصادية، ومؤشر التخلق، وكلما كانت هذه المحددات مجتمعة، كلما كانت نسبة هذه الحالات مرتفعة"، وفق ما جاء على لسان حمادة الذي ذكر بأنه "بعد أحداث "الربيع العربي" في المنطقة، وأخذاً بعين الاعتبار مؤشرات التنمية البشرية والأمية والوعي والوضعية الاجتماعية والاقتصادية بين تونس ومصر، سنخلص إلى أن حالات "قضاء الشارع" في مصر، مرتفعة بشكل كبير مع نظيرتها التونسية، وهذا أمر لا علاقة له بالضرورة بنسبة الكثافة السكانية بقدر ما يرتبط على الخصوص بالمحددات سالفة الذكر".
هذه المحددات هي ذاتها التي يجب استحضارها في الحالة المغربية، يتابع حمادة، "وما نعاينه أمر متوقع، ولا يقتضي التعبير عن المفاجأة أو الصدمة، ويكفي إقرار جميع مؤسسات الدولة بطبيعة الأزمات البنيوية التي تطال حقل التعليم، واستحضار أزمات بنيوية في قطاعات أخرى، خاصة الإعلام والتحولات القيمية التي تطال الأسرة، وتواضع برامج التنمية البشرية، وغلبة خطاب ديني محافظ وتقليدي، بما في ذلك الخطاب الديني حركي شبه الطائفي، وعوامل أخرى، تجعل أي متتبع يتوقع مثل هذه الحالات".
زكرياء أگضيض، الباحث في مركز مدى للدراسات والأبحاث الانسانية، يرى أنه "عند الحديث عن المجتمع، نتحدث عن مجموعة من الافراد المتعاقدين على مجموعة من القيم والمؤسسات التي تدبر الحياة الاجتماعية والخلافات، وفي المغرب نلاحظ وجود تعاقدات على مجموعة من القيم، لكن في نفس الآن هناك مساحات اجتماعية تتحرك خارج اطار القيم وتخول لنفسها ان تمارس العنف باسم حماية الاخلاق"، وهي " المساحات التي تعتبر نفسها أنها لها الحق المشروع في استعمال العنف باسم حماية الاخلاق، وفي حالات كحالة آسفي تتصادف مع شهر رمضان الذي يحتل في الوعي الديني المغربي مرتبة سامية".
وأكد الباحث في علم الاجتماع على أن "هؤلاء الاشخاص يستحضرون قيمة الامر بالمعروف بمعناها التطرفي، ويسحبون المشروعية من المؤسسات الامنية، ويرون أن عندهم الحق في استخدام العنف ليعيدوا الامور الى مجالها"، حسب ما جاء على لسان أگضيض الذي تابع "هذه الممارسات بقدر ما انها تهدد العلاقات الاجتماعية، اعتقد انها تمس بهيبة الدولة كجهاز مفروض فيه أنه ينظم العلاقات الاجتماعية".
واعتبر المتحدث أن هذه الحالات موجودة وليست مستجدة، وتنتعش خصوصا في البوادي المغربية التي ما تزال تحافظ على اشكال التضامن الجماعي التي تفتح امكانية للجماعة بفرض تصورها وتخول لنفسها الزجر.
وخلص الباحث إلى أن حالات "شرع اليد" ستتكرر وتظل موجودة الى حين "رفع الوعي المدني، والوصول إلى المجتمع المدني الذي يكون منظما، ويتم فيه تسليم حماية الحريات للدولة والتعاقد معها لتدبير الخلافات والتدخل في حالة خرق القانون"، يقول اگضيض.