بقلم : الدكتور عمر لمغببشي
يشكل مضيق هرمز أحد أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في العالم، حيث تتقاطع فيه اعتبارات الطاقة والتجارة والأمن الدولي. وعلى امتداد عقود ما بعد الحرب العالمية الثانية، ارتبط استقرار هذا الممر البحري بقدرة الولايات المتحدة على ضمان حرية الملاحة. غير أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة، وصعود قوى دولية منافسة، يطرحان اليوم تساؤلات جدية حول مستقبل هذه الهيمنة، وحدود استمرارها في ظل نظام دولي آخذ في التشكل من جديد.
من الهيمنة البحرية إلى التعددية المقيدة
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، رسّخت الولايات المتحدة موقعها كقوة بحرية مهيمنة، قادرة على تأمين الممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز. غير أن هذا الواقع بدأ يتغير تدريجيًا مع بروز تحديات استراتيجية متنامية.
وفي هذا الإطار، يرى المؤرخ والمحلل الاستراتيجي الأمريكي هال براندز أن النظام الدولي يتجه نحو “منافسة بين قوى كبرى ضمن بيئة أكثر اضطرابا”، حيث تتراجع القدرة الأمريكية على فرض قواعد أحادية. وفي السياق ذاته، يؤكد المنظر البريطاني في العلاقات الدولية باري بوزان أن العالم يشهد انتقالًا نحو “تعددية قطبية غير مكتملة”، تتسم بتوزيع غير متوازن للقوة، وغياب مركز واحد قادر على ضبط النظام الدولي.
وتعكس هذه التحليلات تحولا بنيويا شديد التعقيد؛ إذ لم تعد حرية الملاحة تدار فقط وفق قواعد القانون الدولي، بل أصبحت أيضا نتاجا مباشرا لتوازنات القوة والتنافس بين الفاعلين الدوليين.
أمن الطاقة كعامل حاسم في إعادة تشكيل الجيوبوليتيك
يمثل أمن الطاقة أحد أبرز المحددات الاستراتيجية لسلوك الدول الكبرى، خاصة في ظل الاعتماد المتزايد على تدفقات النفط عبر مضيق هرمز. فكل اضطراب في هذا الممر ينعكس فورًا على الأسواق العالمية.
وفي هذا الإطار، يؤكد خبير الطاقة الأمريكي البارز دانييل يرغين أن “أمن الطاقة سيظل عنصرا مركزيا في حسابات القوى الكبرى”، خصوصا مع تزايد هشاشة سلاسل الإمداد العالمية. ومن جانبه، يشير الدبلوماسي والمحلل الأمريكي فريدريك كيمب إلى أن أزمات الخليج تعكس “ترابطا عميقا بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد العالمي”، بحيث يمكن لأي توتر إقليمي أن يتحول سريعًا إلى أزمة عالمية.
وفي المقابل، يواجه مجلس الأمن الدولي صعوبات متزايدة في إدارة هذه الأزمات، نتيجة الانقسامات بين القوى الكبرى، ما يحد من فعاليته في فرض حلول جماعية مستقرة.
تكشف التطورات الراهنة أن النظام البحري الدولي لا يشهد انهيارًا مفاجئًا، بل تحولًا تدريجيًا نحو تعددية في موازين القوة. فالولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بتفوق بحري واضح، لكنها تعمل اليوم في بيئة أكثر تعقيدًا، تتسم بتزايد التحديات وتعدد الفاعلين. وعليه، فإن مستقبل مضيق هرمز لن يحسم بمنطق الهيمنة المطلقة، بل عبر تفاعلات مركبة تجمع بين الردع والتفاوض، في إطار نظام دولي جديد تتراجع فيه الأحادية لصالح توازنات أكثر تنوعا وتشابكا.
13 avril 2026 - 11:00
08 avril 2026 - 15:00
08 avril 2026 - 09:00
06 avril 2026 - 09:00
23 mars 2026 - 11:00
ضيوف المواطن