عبد القادر الفطواكي
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر، لم يعد السؤال السياسي في الصالونات السياسية، في معرفة الحزب الذي سيحتل المرتبة الأولى، بقدر ما بدأ يتحول إلى نقاش أعمق حول من يملك القدرة على تحويل الصدارة الانتخابية إلى رئاسة للحكومة، ومن يستطيع تركيب أغلبية سياسية قادرة على تدبير مرحلة مختلفة عنوانها الكبير مونديال 2030، وتنزيل ورش الحكم الذاتي بالصحراء المغربية، ومواجهة انتظارات اجتماعية واقتصادية متزايدة؟ وبين فاطمة الزهراء المنصوري ونزار بركة، تبدو بعض ملامح معركة ما بعد الاقتراع قد بدأت تتشكل، من دون أن يكون أي من السيناريوهين محسوما.
فاطمة الزهراء المنصوري تدخل هذه المعادلة من موقع سياسي غير عادي. فهي ليست فقط إحدى أبرز قيادات الأصالة والمعاصرة، بل أصبحت، في حال تصدر الحزب للانتخابات وتوفر شروط تشكيل أغلبية تقودها، اسما يمكن أن يفتح الباب أمام حدث سياسي غير مسبوق يتجلى في وصول أول امرأة إلى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب. غير أن قيمة هذا السيناريو لا تستمد قوتها من رمزيته فقط، بل من قدرة المنصوري على تقديم نفسها باعتبارها وجها سياسيا يمتلك تجربة حكومية وحضوراً تنظيميا، وفي الوقت نفسه لا يحمل بالضرورة كل كلفة السنوات الحكومية السابقة بالطريقة نفسها التي يحملها قادة أحزاب أخرى.
ويأتي دخول فوزي لقجع إلى المشهد الحزبي من بوابة الأصالة والمعاصرة ليمنح هذا السيناريو بعدا إضافيا. فاستقطاب رجل راكم رصيدا استثنائيا في كرة القدم المغربية والقارية والدولية -أو هكذا روج له- لا يمكن قراءته فقط باعتباره انتدابا حزبيا عاديا. لقجع يدخل السياسة محملا بصورة رجل ارتبط اسمه بالإنجاز الرياضي، وبمرحلة أصبح فيها المغرب رقما وازنا داخل مؤسسات كرة القدم الإفريقية والدولية، كما أن موقعه في تدبير الملفات المالية والاستراتيجية المرتبطة بالأوراش الكبرى يجعل حضوره السياسي ذا دلالة تتجاوز الحساب الانتخابي المباشر.
والأهم أن المغرب مقبل على مرحلة سيكون فيها مونديال 2030 أكثر من مجرد تظاهرة رياضية، إنه ورش وطني ضخم يرتبط بالبنيات التحتية والنقل والسياحة والاستثمار والتهيئة الحضرية وصورة المغرب دوليا. ومن هذه الزاوية، فإن رصيد لقجع قد يتحول إلى عنصر قوة لفريق "البام" إذا نجح في تحويل صورته كرجل إنجاز إلى قيمة سياسية مضافة. أما الحديث عن مغادرته مؤسسات كرة القدم، فينبغي أن يظل في خانة الاحتمالات إلى أن يصدر بشأنه قرار أو إعلان رسمي؛ لأن ما هو ثابت سياسيا حتى الآن هو دخوله الحقل الحزبي واستمراره في مسؤولياته الرياضية.
في الجهة المقابلة، يبدو نزار بركة أكثر هدوءا، لكن هذا الهدوء قد يكون تحديدا أحد عناصر قوته. حزب الاستقلال لا يخوض هذه الانتخابات باعتباره تنظيما وليد اللحظة، وإنما باعتباره واحدا من أقدم وأعمق الأحزاب حضورا في الحياة السياسية المغربية. وإذا نجح في تصدر انتخابات 2026، فإن بركة لن يكون أمام مجرد انتصار انتخابي، بل أمام فرصة لتقديم نفسه باعتباره رجل توافق قادر على بناء أغلبية أوسع من تركيبة الأغلبية الحالية.
فحزب الاستقلال، رغم مشاركته في الحكومة، لم يتعرض إلى مستوى الاستنزاف السياسي والشعبي نفسه الذي أصاب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة. وهذه نقطة لا ينبغي الاستهانة بها. فالاستقلال ظل، في جزء مهم من الوعي السياسي المغربي، محتفظا بمكانته التاريخية كحزب محافظ ذي امتداد وطني، وهو ما قد يمنح بركة هامشا أكبر للمناورة بعد الانتخابات، خصوصا إذا أفرزت النتائج برلمانا مجزأ يحتاج إلى تحالفات واسعة.
كما أن علاقات الاستقلال بمختلف المكونات السياسية، رغم الخلافات والصراعات التي تفرضها طبيعة المنافسة الانتخابية، يمكن أن تتحول إلى رأسمال سياسي في مرحلة تشكيل الحكومة. يضاف إلى ذلك أن الحزب يمتلك امتدادا تنظيميا وسياسياً مهما في الأقاليم الجنوبية، وراكم تجربة طويلة في تدبير ملف الوحدة الترابية، وهو ما يجعل بركة قادرا على تقديم تصور لحكومة لا يكون عنوانها الوحيد هو الاستعداد للمونديال، وإنما أيضاً الانتقال إلى مرحلة تنزيل الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية، بما ينسجم مع التحولات الدولية المتسارعة في هذا الملف.
مقابل ذلك واجه بركة، اختبارا من نوع آخر، بعدما حاولت تسريبات ومنشورات رقمية، ضرب صورته السياسية من بوابة أسئلة واتهامات مرتبطة بعقار فاخر في منطقة السويسي بالرباط، وما قيل عن مصدر تمويل اقتنائه وطريقة أداء قيمته. وبغض النظر عن تفاصيل وملابسات الملف، فإن الرهان السياسي وراء تسريب هذا النوع من المعطيات كان واضحا نقل بركة من موقع المنافس على رئاسة الحكومة إلى موقع المدافع عن نفسه، وفتح جبهة شخصية يمكن أن تطغى على خطابه الانتخابي ومساره السياسي.
غير أن أمين "الميزان" اختار، على ما يبدو، التعامل مع الموجة بمنطق مختلف الصمت واللامبالاة السياسية، بدل الانجرار إلى معركة دفاعية قد تمنح الملف عمرا أطول ومساحة انتشار أكبر. لم يجعل من التسريبات محور خطابه، ولم يدخل في سجال يومي مع مروجيها، بل اختار أن يتحرك إلى الأمام، وأن يبقي صورته السياسية مرتبطة بالملفات والقضايا التي يريد أن ينافس من خلالها على قيادة المرحلة المقبلة.
وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط ذكاءً في إدارة بركة لهذه المرحلة. فبدلا من أن يسمح للخصوم بفرض أجندة الحديث عن العقار، انبرى في خرجاته السياسية إلى مهاجمة تضارب المصالح، وإلى الدفاع عن الفئات المتضررة من بعض الاختلالات الاقتصادية، ومن بينها ما ارتبط بملف "الفراقشيةط. أي أنه نقل النقاش من خانة "ماذا يملك بركة؟" إلى خانة "كيف يجب أن تُدار الحكومة؟، ومن الدفاع عن الذات إلى مساءلة السياسات والممارسات التي يعتبرها منافسة للعدالة الاقتصادية وتكافؤ الفرص. وقد تكون هذه الاستراتيجية، من الناحية السياسية، قد جنبت الرجل حرج الدخول في سجال إعلامي مفتوح حول ملف شخصي، لأن الرد المتكرر على كل تسريب قد يمنحه، Paradoxalement، حياة أطول ويحول قضية قابلة للاحتواء إلى كرة ثلج سياسية. أما الصمت، مقرونا بتكثيف الحضور السياسي والهجوم في ملفات أخرى، فقد ساعد على إبقاء القضية في هامش المشهد بدل السماح لها بأن تتحول إلى بقعة زيت تتمدد فوق مسار سياسي راكمه بركة لسنوات.
وهذه، في حد ذاتها، قد تكون واحدة من نقاط القوة التي تفسر لماذا يبدو اسم بركة حاضراً بقوة في حسابات ما بعد 23 شتنبر. فالرجل لم يدخل، إلى حدود الآن، في سباق صاخب على رئاسة الحكومة، ولم يحوّل طموحه السياسي إلى حملة شخصية، بل يترك للانتخابات أن تقول كلمتها. وإذا استطاع حزب الاستقلال تحقيق نتيجة متقدمة، فإن هدوء بركة، وقدرته على تفادي الاستنزاف الإعلامي، وعلاقاته مع باقي الفاعلين السياسيين، قد تتحول جميعها من مجرد خصائص شخصية إلى رأسمال تفاوضي حقيقي عند لحظة تشكيل الأغلبية المقبلة.
في المقابل، يدخل التجمع الوطني للأحرار الاستحقاق المقبل وهو أمام معادلة أكثر تعقيدا. صحيح أن الحزب غيّر رئيسه وانتقل من قيادة عزيز أخنوش إلى محمد شوكي، لكن تغيير القيادة الحزبية لا يعني بالضرورة إسقاط مسؤولية الولاية الحكومية السابقة. فشوكي يقود اليوم حزبا مطالبا بالدفاع عن حصيلة حكومة شارك في قيادتها أخنوش، وهو ما يجعل الانتخابات المقبلة اختبارا للحصيلة أكثر مما هي اختبار للرئيس الجديد وحده.
فالوعود التي رافقت انتخابات 2021، من تحسين الدخل والرفع من الحد الأدنى للأجور إلى عدد من الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية، ستعود حتماً إلى واجهة النقاش الانتخابي، إلى جانب الملفات التي أثارت جدلا واسعا خلال الولاية الحكومية، من غلاء الأسعار إلى تضارب المصالح والجدل المرتبط باستيراد الأغنام. وبالتالي، فإن محمد شوكي لا يرث فقط قيادة حزب تصدر انتخابات 2021، بل يرث أيضا جزءا كبيرا من كلفة خمس سنوات من التدبير الحكومي، لذلك فالحزب وبشكل كاريكاتوري أصبح على منوال بوتين وميدفيديف.
أما عبد الإله بنكيران، فيبدو أنه اختار الاستمرار في لعب دور المعارضة الصاخبة، مستفيدا من قدرة سياسية وتواصلية لا تزال تمنحه حضورا قويا في النقاش العام. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه حول العدالة والتنمية ليس هل يستطيع بنكيران إحداث الضجيج السياسي، وإنما هل يستطيع الحزب تحويل هذا الحضور إلى عودة انتخابية حقيقية. يبقى ملف المحروقات أحد أكثر الأوراق حساسية في علاقة بنكيران بالناخبين. فقرار تحرير الأسعار خلال ولايته الحكومية وما أعقبه من ارتفاعات وتقلبات في السوق ظل حاضرا بقوة في النقاش السياسي المغربي، رغم أن اختزال كل أزمة الأسعار في قرار واحد سيكون تبسيطا غير دقيق للمشهد الاقتصادي. غير أن بنكيران، في المقابل، لم يقدم إلى حد الآن ما يكفي لإقناع المتابعين بأن "المصباح" قادر على استعادة الموقع الذي كان يحتله قبل انتخابات 2021، ولذلك تبدو عودته إلى الواجهة أقرب إلى معركة استعادة النفوذ منها إلى معركة مؤكدة على رئاسة الحكومة.
وهكذا، فإن انتخابات 2026 قد لا تكون معركة بين أربعة أحزاب فقط، بل اختبارا لثلاثة نماذج سياسية مختلفة: "البام" بقيادة المنصوري، مدعوما بورقة لقجع ورصيد مرحلة مونديال 2030؛ والاستقلال بقيادة بركة، مستفيدا من التاريخ السياسي لحزبه وقدرته المحتملة على بناء توافقات أوسع؛ والأحرار، الذي يخوض معركة الدفاع عن حصيلة حكومة يقودها منذ خمس سنوات، بينما يحاول بنكيران إعادة بناء ما تبقى من رصيد "المصباح".
في السياسة المغربية، الصدارة الانتخابية مهمة، لكنها ليست وحدها التي تصنع الحكومة. هناك التحالفات، والتوازنات، والقدرة على جمع الفرقاء، ثم المقتضيات الدستورية التي تجعل تعيين رئيس الحكومة مرتبطا بنتائج الانتخابات وبالاختيار الملكي وفق الدستور. وبين صندوق الاقتراع وطاولة التحالفات، قد تتغير كل الحسابات.
لهذا تبدو المعركة مفتوحة بين بركة والمنصوري أكثر من أي وقت مضى، بينما يظل الأحرار مطالبين أولا بالدفاع عن حصيلتهم، ويبحث بنكيران عن استعادة زمن لم يعد المشهد السياسي نفسه الذي أنتجه. وإذا كان المغرب يتجه نحو مرحلة عنوانها 2030، فإن حكومة ما بعد 2026 ستحتاج، قبل أي شيء، إلى امتلاك القدرة على تدبير مرحلة استثنائية اقتصاديا، اجتماعيا، دبلوماسيا وتنمويا كذلك. ومن هنا تحديدا ستكتسب الانتخابات المقبلة وزنها الحقيقي، ليس فقط لأنها ستحدد من يفوز، وإنما لأنها ستحدد من يستطيع أن يقود المغرب إلى ما بعد 2026.
04 septembre 2026 - 18:00
28 août 2026 - 10:00
14 août 2026 - 13:00
10 août 2026 - 12:00
30 juillet 2026 - 22:00
مواطن حمدي01 septembre 2026 - 10:00