عبد القادر الفطواكي
ليست الابتسامة التي ارتسمت على وجه شابة مغربية، وهي ترفع شارة النصر بعد وصولها إلى سبتة، مجرد لقطة إنسانية عابرة، ولا هي صورة تصلح للاستهلاك السريع على منصات التواصل الاجتماعي. إنها وثيقة سياسية واجتماعية بامتياز، تختزل في مشهد واحد ما عجزت آلاف الصفحات من التقارير والخطب والمؤشرات عن قوله. فحين يعتبر شاب أو شابة أن الوصول إلى الضفة الأخرى، بعد مواجهة البحر والموت والمجهول، هو لحظة انتصار، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن ينصب على كيفية العبور، بل على الأسباب التي جعلت الهجرة تبدو، في نظر هؤلاء، أكثر أمناً من البقاء، وأكثر وعداً من المستقبل داخل الوطن.
هذه ليست المرة الأولى التي تتحول فيها الفنيدق وسبتة إلى مسرح لموجات هجرة جماعية، ولن تكون الأخيرة إذا استمرت الأسباب نفسها. فالهجرة غير النظامية ليست أزمة حدود، بل أزمة ثقة. ليست مجرد اختراق لحاجز جغرافي، بل تعبير عن اختراق عميق في العلاقة بين المواطن والسياسات العمومية. وحين تتكرر الظاهرة بالوتيرة نفسها، يصبح من العبث التعامل معها باعتبارها حادثا معزولا أو مجرد تحد أمني. إنها، في حقيقتها، جرس إنذار يدعو إلى مراجعة شاملة لنموذج إنتاج الأمل.
لقد دق الملك محمد السادس، في أكثر من مناسبة، ناقوس الخطر، داعيا إلى إعادة الاعتبار للرأسمال البشري، وإلى جعل المواطن محور التنمية، وإلى تقييم السياسات العمومية انطلاقا من أثرها الحقيقي على حياة الناس. وكانت الرسالة واضحة: لا قيمة للمشاريع الكبرى إذا لم يشعر المواطن العادي بأنها تحسن معيشه، ولا معنى للنمو الاقتصادي إذا ظل الشباب يشعر بأن مستقبله يوجد خارج الحدود.
لكن بين الرؤية الملكية وبين التنفيذ، اتسعت هوة كبيرة. فالمشكل لم يعد في غياب التشخيص، بل في ضعف التنزيل، وفي سياسات عمومية كثيرا ما بدت متفرقة، تفتقر إلى الالتقائية، وتفتقد الجرأة في معالجة الاختلالات البنيوية. فالوعود كانت كثيرة، أما النتائج التي يلمسها المواطن في حياته اليومية فظلت محدودة، بل إن عددا من المؤشرات الاجتماعية ازداد تعقيدا.
يكفي أن ننظر إلى القدرة الشرائية للأسر المغربية لندرك حجم الهوة. فارتفاع أسعار المواد الغذائية، وتزايد كلفة السكن، وغلاء النقل والمحروقات والخدمات الأساسية، كلها عوامل جعلت شريحة واسعة من المواطنين تشعر بأن الدخل لم يعد يواكب متطلبات العيش الكريم. وفي الوقت الذي كانت فيه الأسر تنتظر سياسات أكثر جرأة لحماية قدرتها الشرائية، بدا التدخل الحكومي في كثير من الأحيان متأخرا أو محدود الأثر، الأمر الذي عمق الإحساس بأن السوق أصبح أقوى من الدولة، وأن المواطن هو الحلقة الأضعف.
أما البطالة، فهي ليست مجرد نسبة مئوية تعلنها المؤسسات، بل حالة نفسية واجتماعية تعيشها آلاف الأسر. فكل عاطل عن العمل هو مشروع مؤجل، وكل شهادة جامعية بلا أفق هي رسالة سلبية إلى جيل كامل. والأسوأ من البطالة نفسها هو الإحساس بانعدام تكافؤ الفرص، حين يعتقد الشباب أن النجاح لم يعد رهيناً بالكفاءة والاجتهاد، بل تحكمه أحياناً شبكات النفوذ والمصالح والامتيازات.
ومن هنا يتولد أخطر أنواع الإحباط: الإحساس بأن السلم الاجتماعي لم يعد يضمن الحراك الاجتماعي. فعندما يفقد المواطن الثقة في أن العمل والجدارة يفتحان الأبواب، يبدأ في البحث عن أبواب أخرى، ولو كانت فوق قوارب متهالكة في عرض البحر.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن النقاش الذي رافق تضارب المصالح خلال السنوات الأخيرة. فالديمقراطية لا تقوم فقط على شرعية الانتخابات، وإنما أيضا على الثقة في أن من يدبر الشأن العام يفعل ذلك بمنطق المصلحة العامة، بعيدا عن أي شبهة لتداخل المصالح الاقتصادية والسياسية. وكلما ضعفت هذه الثقة، ازداد الشعور بالمسافة بين الدولة والمجتمع، وبين المواطن ومؤسسات التدبير.
كما أن السياسات العمومية ظلت، في حالات كثيرة، أسيرة التدبير الظرفي أكثر من التخطيط الاستراتيجي. فبدل أن تكون الحكومة صانعة للفرص، تحولت في نظر كثيرين إلى مدبرة للأزمات، تنتظر ارتفاع الأسعار لتتدخل، وتنتظر الاحتجاج لتتحرك، وتنتظر تفاقم البطالة لتعلن برامج استعجالية. بينما كانت الحاجة إلى رؤية استباقية تجعل من الاستثمار المنتج، والتعليم، والتكوين، والصحة، والاقتصاد الرقمي، والاقتصاد الأخضر، محركات حقيقية للإدماج الاجتماعي.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الشباب لا يهاجر فقط بسبب الفقر، بل بسبب غياب الأمل. وهناك دول ذات دخل أقل من المغرب، لكنها نجحت في الحفاظ على جزء مهم من شبابها لأنها أقنعتهم بأن المستقبل يبنى داخل الوطن. وفي المقابل، قد تدفع حالة واحدة من انعدام الثقة آلاف الشباب إلى الاعتقاد بأن المخاطرة في البحر أقل قسوة من انتظار فرصة قد لا تأتي.
إن ما وقع في سبتة ينبغي أن يقرأ بوصفه لحظة للمراجعة الوطنية، لا للمزايدة السياسية. فلا الحكومة وحدها مسؤولة عن كل الاختلالات المتراكمة، ولا المجتمع معفى من مسؤوليته، لكن الحكومة، بحكم الدستور، تتحمل المسؤولية الأولى عن تنفيذ السياسات العمومية، وعن تحويل الإمكانات إلى نتائج، والبرامج إلى أثر ملموس.
والحلول ليست مستحيلة، لكنها تتطلب شجاعة سياسية قبل أي شيء آخر. أولها إعادة بناء الثقة، عبر ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتخليق الحياة العامة، وتعزيز الشفافية، وتحصين القرار العمومي من أي شبهة لتضارب المصالح. فالثقة هي أول رأسمال تحتاجه أي دولة تريد تعبئة مواطنيها.
وثانيها جعل التشغيل أولوية وطنية حقيقية، ليس عبر برامج ظرفية، بل من خلال إصلاح بيئة الاستثمار، وتوجيهه نحو القطاعات الأكثر قدرة على خلق فرص الشغل، مع دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتشجيع المبادرة الخاصة، وتبسيط المساطر الإدارية، وربط التكوين المهني والجامعي بحاجيات الاقتصاد.
أما التعليم، فلا يمكن أن يظل مجرد ورش إصلاحي دائم بلا نتائج ملموسة. المطلوب مدرسة تخرج الكفاءات، لا حاملي الشهادات فقط، وجامعة مرتبطة بسوق الشغل، ومنظومة تكوين تجعل المهارة قيمة اقتصادية حقيقية.
كما أن العدالة المجالية أصبحت ضرورة لا خيارا. فلا يعقل أن تظل بعض المناطق أقل حظا في الاستثمار والبنيات الأساسية والخدمات، لأن التفاوتات الترابية تغذي بدورها الإحساس بالتهميش، وتدفع الشباب إلى اعتبار الهجرة الخيار الوحيد.
ثم إن التواصل الحكومي نفسه يحتاج إلى مراجعة. فالمواطن لم يعد يطلب خطابا يشرح له الأزمات، بل سياسات تقلص آثارها. ولم يعد ينتظر تبريرات، بل نتائج. فالثقة تبنى بالفعل، لا بالبلاغات.
إن المغرب يمتلك كل المقومات التي تؤهله ليكون بلدا جاذبا لشبابه استقرار مؤسساتي، ورؤية استراتيجية في عدد من الأوراش الكبرى، وموقع جغرافي متميز، وطاقات بشرية هائلة. لكن هذه المقومات تحتاج إلى حكامة عمومية أكثر فعالية، وإلى سياسات تجعل الإنسان، لا الأرقام، معيار النجاح.
فالصورة التي خرجت من سبتة لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها انتصاراً فردياً لشابة عبرت البحر، بل باعتبارها رسالة جماعية مؤلمة. إنها تقول، بلغة لا تحتاج إلى ترجمة، إن بعض شباب هذا الوطن لم يعد يرى مستقبله فيه. وهذه ليست هزيمة لشباب قرر المغامرة، بل هزيمة لكل سياسة عمومية عجزت عن إقناعه بأن الكرامة، والعمل، والأمل، يمكن أن يجدها بين أهله، لا وراء البحر.
إن بناء الأوطان لا يبدأ من المعابر والسياجات الحدودية بل من المدرسة، والمصنع، والمزرعة، والجامعة، والمحكمة، والإدارة، ومن الإيمان العميق بأن المواطن هو الغاية الأولى لكل سياسة عمومية. وعندما يشعر الشاب بأن وطنه يفتح له الأبواب، لن يفتش عن باب آخر في عرض البحر.
لقد أثبت التاريخ أن الشعوب لا تهاجر فقط عندما تجوع، بل عندما تفقد الإيمان بأن الغد سيكون أفضل من اليوم. فالجوع قد يحتمل، أما انكسار الأمل فهو الذي يدفع الإنسان إلى ركوب البحر وهو يعلم أن احتمالات الموت قد تكون أقرب من احتمالات النجاة.
إن الصورة التي خرجت من سبتة ليست انتصارا لشابة وصلت إلى الضفة الأخرى، بل هي سؤال أخلاقي وسياسي موجه إلى الجميع: كيف أصبح البحر، بكل ما يحمله من خوف ومجهول، أقل رهبة من انتظار المستقبل داخل الوطن؟
ليس المطلوب توزيع الاتهامات، ولا البحث عن شماعات تعلق عليها الإخفاقات، وإنما امتلاك شجاعة الاعتراف بأن السياسات العمومية لا تُقاس بعدد البرامج التي تُعلن، ولا بحجم الاعتمادات التي تُرصد، بل بقدرتها على أن تجعل شاباً مغربيا يؤمن بأن مكانه الطبيعي هو هنا، بين أهله، وأن أحلامه قابلة للتحقق فوق هذه الأرض، لا وراء الأفق.
لذلك فالرهان الحقيقي اليوم ليس فقط حماية الحدود، بل حماية الثقة. وليس فقط منع قوارب الهجرة، بل بناء أسباب البقاء. لأن الوطن الذي يمنح أبناءه الكرامة والعمل والعدالة لا يحتاج إلى أن يقنعهم بعدم الرحيل، فهم سيختارون البقاء بإرادتهم، وسيكون البحر بالنسبة إليهم مجرد أفق جميل، لا طريقا للهروب.
27 juillet 2026 - 09:00
21 juillet 2026 - 12:30
13 juillet 2026 - 10:00
29 juin 2026 - 10:00
15 juin 2026 - 12:00
مواطن حمدي22 juillet 2026 - 13:40