عبد القادر الفطواكي
في السياسة، لا يكفي أن يكون القرار منسجما مع قناعة صاحبه حتى يكون بالضرورة صائبا في توقيته وحساباته. فالسياسة هي، قبل كل شيء، تدبير للممكن، وقراءة دقيقة لموازين القوى مع الاحتفاظ بأكبر قدر من الخيارات مفتوحا إلى أن تكتمل الصورة. ومن هذه الزاوية، يحق لنا أن نتساءل هل أخطأ عبد الإله بنكيران وحزب العدالة والتنمية عندما اختارا الاصطفاف في المعارضة مباشرة بعد الإعلان عن نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026، أم أن القرار كان تعبيرا عن حساب سياسي واع ينسجم مع موقع الحزب وقراءته للمرحلة؟.
إن السؤال هنا لا يتعلق بالدفاع عن المشاركة في الحكومة أو الدعوة إلى المعارضة، وإنما بطريقة الوصول إلى القرار. فالمنطق السياسي والمؤسساتي كان يقتضي في الحد الأدنى، انتظار اكتمال المسار الدستوري، وعلى رأسه تعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، ثم التعرف إلى طبيعة التحالفات الممكنة والبرنامج الحكومي وشروط المشاركة. وبعد ذلك فقط يصبح بإمكان كل حزب أن يزن كلفة الانضمام إلى الأغلبية مقابل مكاسب البقاء في المعارضة.
لكن ما حدث داخل العدالة والتنمية بدا أسرع من هذا المسار، فقبل أن تتضح ملامح الحكومة المقبلة، وقبل أن تبدأ مفاوضات التحالفات فعليا، أصبح خيار المعارضة واضحا في خطاب عبد الإله بنكيران، قبل أن ينتقل إلى المؤسسات الحزبية وينتهي بتزكية المجلس الوطني لهذا التوجه. ولا يتعلق الأمر بالطعن في شرعية القرار المؤسساتي، وإنما بالتساؤل عما إذا كانت المؤسسة قد ناقشت فعلا كل البدائل الممكنة، أم أنها صادقت على خيار كان قد حسم سياسيا قبل انعقادها.
وهنا تكمن إحدى المفارقات. فالمجلس الوطني كان يستطيع أن يناقش المشاركة والمعارضة باعتبارهما خيارين مفتوحين، وأن يضع أمامهما جدولا واضحا للمكاسب والخسائر. ماذا سيجني الحزب من المشاركة ؟ ما الذي يمكن أن يخسره؟ ما شروطه؟ وهل يستطيع الحفاظ على هويته السياسية داخل حكومة يقودها حزب الأصالة والمعاصرة ؟ وفي المقابل ماذا يمكن أن تمنحه المعارضة من فرصة لإعادة بناء الحزب واستثمار عودته البرلمانية؟.
فالسياسة الحزبية لا تقوم فقط على التقارب الإيديولوجي أو الخصومة التاريخية، وإنما على حساب المصالح والمواقع. والحزب لا يدخل الحكومة لأنه يتقاسم كل الأفكار مع الحزب الذي يقودها، كما أن اختياره المعارضة لا يعني تلقائيا أنه أصبح في موقع أقوى. المعيار الحقيقي هو قدرة الحزب على تحويل موقعه إلى نفوذ سياسي فعلي.
والعدالة والتنمية يدخل هذه المرحلة بوزن انتخابي جديد، فالحصول على 54 مقعدا بعد تجربة انتخابات 2021 يمثل عودة مهمة للحزب إلى الواجهة، لكنه في الوقت نفسه يضع أمام قيادته مسؤولية تدبير هذا الرصيد بحذر. كان بإمكان بنكيران أن يترك باب المشاركة مفتوحا لا بالضرورة بهدف الحصول على حقائب وزارية، وإنما من أجل التفاوض ومعرفة ما يمكن أن يحصل عليه الحزب، ثم العودة إلى مؤسساته لاتخاذ القرار النهائي. بذلك كان سيحتفظ بأوراقه إلى آخر لحظة.
أما إعلان الرفض مبكرا، فقد نقل الحزب من موقع الطرف القادر على التفاوض إلى موقع الطرف الذي أعلن مسبقا عدم رغبته في المشاركة. وفي السياسة، حتى الرفض يصبح أكثر قوة عندما يأتي بعد التفاوض، لأنك عندها ترفض عرضاً تعرف تفاصيله، وليس احتمالا لم تعرف بعد ملامحه.
ثم هناك عامل لا يمكن تجاهله في قراءة المشهد، يتعلق بالتاريخ السياسي للعلاقة بين العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة. ففي سنة 2011، أعلن الأمين العام السابق لـ"البام" محمد الشيخ بيد الله أن حزبه لن يشارك في حكومة يقودها حزب العدالة والتنمية، مفضلا المعارضة. واليوم تنقلب المواقع، فيجد "البيجيدي" نفسه أمام حكومة يقودها الحزب الذي كان خصما سياسيا له لسنوات. وهو ما رأى متتبعون للحقل السياسي في موقف بنكيران نوعاً من "رد الصاع"، لكن تحويل هذه القراءة إلى حقيقة سيكون مجازفة ما لم تتوافر معطيات مباشرة تؤكدها. الأصح أن نقول إن الذاكرة السياسية والخصومة المتراكمة بين الحزبين تشكل جزء من السياق، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير قرار حزب كامل.
المسألة في النهاية تتعلق بالمردود السياسي. فإذا كان تقدير قيادة العدالة والتنمية أن المشاركة في حكومة يقودها "البام" ستضع الحزب في موقع ضعيف، وتجعله شريكا في قرارات لا يملك التحكم في مسارها، فإن المعارضة خيار سياسي مفهوم. لكن إذا كان بإمكانه التفاوض حول برنامج واضح والتأثير في عدد من الملفات، فإن رفض المشاركة قبل معرفة شروطها قد يكون قد حرم الحزب من فرصة كان يمكن أن يستثمرها.
وهنا لا ينبغي أن ننسى أن المعارضة ليست مكسبا في حد ذاتها. إنها تصبح كذلك عندما يستطيع الحزب تحويلها إلى مشروع سياسي متكامل، تتجلى في رقابة برلمانية، مساءلة، اقتراح بدائل، والمساهمة في النقاش العمومي. أما الاكتفاء برفع سقف الخطاب ضد الحكومة فلن يكون كافيا لإقناع الناخب بأن الحزب استعاد فعلا قدرته على تقديم بديل حكومي.
وبالمقابل، فإن المشاركة في الحكومة ليست مكسباً مضمونا أيضا، فهي تمنح الحزب قدرة أكبر على التأثير في القرار، لكنها تحمله في الوقت نفسه مسؤولية مباشرة عن الحصيلة، وقد تفرض عليه تنازلات سياسية وتنظيمية لا تتوافق بالضرورة مع صورته أمام قواعده. ولذلك كان أمام العدالة والتنمية خياران كلاهما يحمل كلفة سياسية، وكان المطلوب هو اختيار الكلفة التي تخدم مشروعه على المدى الأبعد.
من هذه الزاوية، ربما لا يكون الإشكال في اختيار المعارضة بحد ذاته، وإنما في توقيت حسمها. كان بإمكان بنكيران أن يقول إن الحزب لن يشارك بأي ثمن، وأنه سينتظر تعيين رئيس الحكومة ويستمع إلى العرض السياسي ويحدد شروطه، ثم يحيل القرار إلى مؤسساته. أما وقد تم إغلاق الباب مبكراً، فإن العودة عنه أصبحت أكثر كلفة أمام قواعد الحزب والرأي العام.
وسيكون الرهان الحقيقي الآن على كيفية استثمار هذا القرار، فإذا نجح العدالة والتنمية في بناء معارضة قوية وهادئة، وقدم بدائل في الاقتصاد والتعليم والصحة والتشغيل والسياسات الاجتماعية، واستطاع أن يحول عودته البرلمانية إلى قاعدة لإعادة بناء مشروعه السياسي، فقد يصبح اختيار المعارضة جزءا من استراتيجية بعيدة المدى. أما إذا تحولت المعارضة إلى مجرد استمرار للخصومة مع "البام"، فقد يفقد الحزب جزء من الفرصة التي أتاحتها له عودته الانتخابية.
لذلك، لا أعتقد أن الحكم على قرار بنكيران يمكن أن يكون اليوم بـ "نعم" أو "لا". فالقرار السياسي لا يُقاس فقط بلحظة اتخاذه، وإنما بما يحققه لاحقا، وربما كان الأصح أن نطرح السؤال بصيغة أخرى: هل اختار بنكيران المعارضة لأنه رأى فيها أفضل موقع لإعادة بناء حزبه، أم أنه أغلق باب الحكومة قبل أن يعرف تماماً ما الذي كان يمكن أن يحصل عليه منها؟.
ذلك هو السؤال الذي سيحسمه الزمن السياسي، لا الخطابات. فالسياسة ليست ثأرا مؤجلا ولا مجرد توزيع للمواقع بين أغلبية ومعارضة، إنها قبل كل شيء فن قراءة اللحظة وحساب المصالح، والقدرة على تحويل الموقع السياسي إلى رصيد للمستقبل.
21 septembre 2026 - 12:30
14 septembre 2026 - 10:00
07 septembre 2026 - 12:00
04 septembre 2026 - 18:00
28 août 2026 - 10:00
ضيوف المواطن
عندكم 2 دقايق
صوت المواطن23 septembre 2026 - 16:00
24 septembre 2026 - 12:30
25 septembre 2026 - 10:00