يوسف لخضر من الحسيمة
أصبحت الاحتجاجات بمدينة الحسيمة طقساً يومياً اعتيادياً، لليوم الخامس على التوالي تنظم وقفات حاشدة بحي سيدي عابد وسط المدينة، تهتف باسم ناصر الزفزافي، أبرز نشطاء الحراك هناك، والذي اعتقل الاثنين الماضي.
نهار الحسيمة يبدو عادياً، ما عدا التواجد الأمني الكثيف، خصوصاً في ساحة محمد الخامس، حيث تنتشر سيارات الأمن، أما في الليل فتصبح الحسيمة مدينة احتجاج بامتياز، لا يقتصر الأمر على الشباب، بل كل الفئات العمرية منخرطة بشكل تام. إذ ما إن تنتهي صلاة التراويح حتى تصبح وجهة السكان هي سيدي عابد.
سيدي عابد، حي سكني شعبي، يقع وسط المدينة، لجأ إلى نشطاء الحراك بعدما منعوا من الوصول إلى ساحة محمد الخامس، حيث اعتادوا منذ البداية التظاهر أكثر من مرة في الأسبوع، من داخل الأزقة والشوارع الصغيرة، يتوجه الصغار والكبار نحو مكان تجمعهم.
في السابق، كانت الاحتجاج تستقطب الآلاف، وفي أحايين كثيرة تتحول إلى مسيرات وسط المدينة، لكن في الأسابيع القليلة الماضية، ارتفعت وتيرة الاحتجاجات، خصوصاً بعد بدء موجة الاعتقالات في حق النشطاء، على رأسهم ناصر الزفزافي.
“لا للعسكرة لا للعسكرة”.. الشعار الذي يردده المحتجون بشكل كبير هنا، بل حتى الصغار يرفعونه، وأصبح بالنسبة لهم شعاراً مركزياً.. لكن ماذا يعنون بهذا الشعار؟ يقول أمين، وهو أحد شباب المدينة: “العسكرة ليس المقصود بها فقط اعتبار الحسيمة سابقاً منطقة عسكرية، بل التواجد الأمني الكثيف هو المقصود، منذ بدء الاحتجاجات تتوافد قوات الأمن بشكل كبير”.
ويرى أمين، أن تواجد الأمن بشكل مبالغ فيه هو في حد ذاته “ترهيب للساكنة” خصوصاً في ظل غياب أي حوار حقيقي لحل المشكل، ويتساءل: “كيف يعقل أن تأتي كل هذه القوات الأمنية ترابط وسط المدينة وفي الشوارع، ونحن نؤكد على السلمية، ولم يسجل علينا لحد الساعة أي عمل تخريبي أو مواجهة؟ نحن نرفع مطالب ونحتج بشكل سلمي".
في بداية الحراك، كانت النشطاء الذين يقودون الحراك يخاطبون المحتجين باللغة الأمازيغية المحلية (الريفية)، وكانت تلك المظاهرات تلقى انتشاراً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك بفضل تجند عدد من الشباب الذين يديرون صفحات على فيسبوك، ويعملون على تأمين النقل المباشر لكل المسيرات.
شيئاً فشيئاً أصبح حراك الريف قضية رأي عام وطني، وبات أغلب المغاربة يتابعون مستجداته كل يوم، هنا برزت بعض التعليقات التي تقول إن خطابات النشطاء تبث بالريفية، ويصعب على من لا يتقن اللغة الأمازيغية ألا يفهم مطالب السكان. استشعر قادة الحراك ذلك.
هو أمر دفع قادة الحراك في وقت مبكر، إلى استعمال الدارجة والريفية، وذلك ما حصل، فقد تحدث ناصر الزفزافي في خطاباته الأخيرة بلغة عربية فصيحة حتى باتت كلماته تتابع بالآلاف على فيسبوك، وكانت تسجل وتنشر على موقع يوتيوب وتحضى بمتابعة كبيرة.
في الريف، ساهم الإعلام الإلكتروني المحلي والصفحات الفيسبوكية في مواكبة الحراك وجعله متابعاً من طرف الآلاف من المغاربة، فالمنطقة ككل، معروفة بنهضة إعلامية إلكترونية رقمية في وقت مبكر، فمثلاً يعود تأسيس أول موقع إخباري محلي بالريف إلى سنة 2005، وهي السنة التي لم تكن المواقع الإخبارية الوطنية قد أنشئت بعد.
وفيما يتكلف عدد من الشباب بتأمين الاحتجاجات، عبر إقامة حواجز تحول دون تخريب الممتلكات العامة أو الوصول إلى القوات الأمنية، يؤمن من جهة أخرى عدد من الشبان التغطية المباشر على فيسبوك بهواتف ذكية، رغم أنهم في الأيام الماضية اشتكوا من تخفيض ملحوظ في صبيب الأنترنيت.
يقول محسن، وهو حاصل على الإجازة بجامعة وجدة وعاطل عن العمل: “الاحتجاجات تعبير عن غضبنا مما آلت إليه مدينة الحسيمة.. حركية اقتصادية ضعيفة ولا أفق للشباب هنا، كما أننا حين نخرج إلى المدينة نحس بالحكرة، لأن التواجد الأمني يشكل ترهيباً لنا”.
في السابق، كان الوجه الأبرز هو ناصر الزفزافي، هو شخصية قادت الحراك بنفس طويل وخطاب حاد، رغم أنه لم يحصل على إجماع من لدن رفاقه، إلا أنهم كانوا يسيرون وراءه ويدعمونه، بل حتى ما أقدم عليه في الأسبوع الماضي من احتجاج داخل مسجد الجمعة يتفهمه بعض من أصدقائه.
يقول أحدهم: “ناصر الزفزافي أثبت نفسه كقائد للحراك، نعم نحن نسير الاحتجاجات بشكل جماعي، لكن هو ساهم في حشد الناس بخطابه الصادق والعفوي، شخصية كاريزمية تعبر عن مطالب الساكنة بشكل بسيط، ردة فعله في المسجد كانت طبيعية بالنسبة لي، فنحن نعيش ضغطاً نفسياً رهيباً وحرباً إعلامية يومية، والإحساس بالحكرة سائد لدى الساكنة، وناصر لم يتستغ حديث خطيب الجمعة على الفتنة”.
في المسيرات الاحتجاجات اليومية نحو سيدي عابد، مكان الاحتجاجات، تحضر النساء والشابات والشباب واليافعين، والرجال بمختلف الأعمار، كلهم يرفعون شعار “ناصر الزفزافي” ويطالبون بإطلاق سراحه وسراح الآخرين الذين اعتقلوا معه. أصبح رمزاً شعبياً لهم يهتفون باسمه كل مساء.
بعد منتصف النهار، تدب الحياة بشكل عادي في الأحياء الشعبية، وأول ما يقبل عليه الشباب هو متابعة المستجدات على فيسبوك، تظاهرات تضامنية في مختلف مدن المغرب، بعضها تم منعه وتعرض لتدخل أمني وعنيف، والآخر مرت في سلام، هو مسيرات تضامنية يتابعها الريفيون باهتمام كبير، وهي بالنسبة لهم دليل على مطالبهم المشروعة.
الحسيمة مدينة صغيرة، يصل تعداد سكانها إلى قرابة 60 ألف نسمة، معروفة بعزوفها السياسي، هنا حيث لا تبرز التيارات السياسية بشكل كبير، خصوصاً لدى الشباب، يعتبرون كل الأحزاب من اليمين إلى اليسار “دكاكين سياسية”، ويؤكدون أن هذه الأحزاب “لا تقدم ولا تؤخر وذلك جلي من خلال التسيير المحلي”، حسب تعبير أحد النشطاء.
في الحسيمة، أغلب من تحدثنا إليهم، يؤكدون على سلمية احتجاجهم، يرفعون مطالب اقتصادية واجتماعية، من جامعة ومستشفى كبير وخلق فرص شغل للشباب وتحريك عجلة الاقتصاد والاستثمار بالمنطقة، ولذلك هناك إصرار على الاستمرار أمام ما يعتبرونه تجاهلاً من لدن الدولة.
30 juillet 2026 - 17:00
30 juillet 2026 - 11:00
29 juillet 2026 - 11:00
27 juillet 2026 - 14:00
27 juillet 2026 - 13:00
مواطن حمدي27 juillet 2026 - 14:00
24 juillet 2026 - 19:00