مواطن
أصدر 31 باحثاً مغربياً في العلوم الإنسانية والاجتماعية بياناً مطولاً تحدثوا فيه حراك الريف، الذي لا زال مستمراً منذ سبعة أشهر، وقالوا إن هذا الحراك كان محط “مزايدات إعلامية وسياسية” نتجت عنها اتهامات بالانفصال والطائفية سواء من الحكومة أو من طرف أكاديميين.
ويقول البيان، الذي نتوفر على نسخة منه، إن “غياب فضاءات الخطاب النقدي والتعددي ترك فراغا في شبكات التواصل الاجتماعي حيث يتم الترويج والترويج المضاد لصور نمطية وتصريحات عنيفة بين مناصري الحراك ومعارضيه”.
وأضاف أن “توظيف هذا الفراغ من طرف وسائل الإعلام التي استدعت باحثين اعتقدوا أن عليهم إعطاء رأيهم حول هذا الحراك مخاطرين بتضخيم الوقائع أو اختزال تعقيدات المجتمع ي واقتصادياته”.
من ضمن الأساتذة الباحثين الموقعين على البيان، توجد أسماء معروفة، منها مهدي عليوة وعبد الله حمودي وكنزة أفصاحي ومونيا بناني الشرايبي، وجمال بلخضر وادريس مغناوي.
واعتبر البيان أن “مطالب حراك الريف حكراً على هذه الجهة المهمشة، بل هي تعني كل المغاربة المتطلعين لحياة كريمة ومستقبل أفضل لهم ولأبنائهم : عدالة اجتماعية، توزيع منصف للثروات، حكامة جيدة وتنمية اقتصادية مستدامة. وبخلاصة، ممارسات ديمقراطية فعلية”.
وأكد البيان أن “المغاربة عبروا بالريف عن هذه الرغبة اليوم بنوع من الحزم، فإن ساكنة الجهات الأخرى، على امتداد التراب الوطني، قد لا تتأخر في إطلاق حراكها طالما أن الوضعية لم تتغير بشكل ملموس وإيجابي. فالبعض يعاني فعلا من فساد بنيوي ومن شتى أشكال الهشاشة والإقصاء، مع غياب تام لأية آفاق للازدهار وللتنمية”.
ويخلص البيان إلى أن “حراك الريف هو فرصة ليس فقط لإعادة التفكير في الحكامة ببلادنا، وعزل الممارسات السيئة من قبيل الرشوة أو العنف البوليسي، ومعالجة الاقتصاد اللامهيكل وغير المشروع إلى جانب أشكال الهشاشة والإقصاء التي تفسد العيش المشترك، والحق في التنمية، والولوج المنصف للموارد، وما إلى ذلك؛ ولكن أيضا لمناقشة مستقبل بلادنا، واقتراح الحلول اللازمة”.
ننشر البيان كاملاً مع أسماء الباحثين الموقعين عليه:
حراك الريف : ما الذي يقوله الباحثون في العلوم الإنسانية والاجتماعية ؟
منذ شهر أبريل أصبح حراك الريف الذي لازال مستمرا منذ سبعة أشهر محط مزايدات إعلامية وسياسية. فبينما اتهمت أحزاب الأغلبية الحكومية الحراك بالانفصال والطائفية(في إشارة إلى تشيع بعض قادة الحراك)، انخرط مختصون وأكاديميون في منطق الخطاب الرسمي عبر ترويج تحاليل ترى في الحراك مؤامرة خارجية تهدد البلاد. فيما قلة قليلة من الأصوات التي كانت متحررة من قراءة مانوية وبالتالي سطحية وتجزيئية لما يقع في الريف.
لقد تم ترويج هذه المزاعم في أوساط الرأي العام في لحظة نحن فيها بحاجة لبناء الثقة في الخطاب العمومي. إن غياب فضاءات الخطاب النقدي والتعددي ترك فراغا في شبكات التواصل الاجتماعي حيث يتم الترويج والترويج المضاد لصور نمطية وتصريحات عنيفة بين مناصري الحراك ومعارضيه. وتم توظيف هذا الفراغ من طرف وسائل الإعلام التي استدعت باحثين اعتقدوا أن عليهم إعطاء رأيهم حول هذا الحراك مخاطرين بتضخيم الوقائع أو اختزال تعقيدات المجتمع ي واقتصادياته.
ويتطلب فهم حراك الريف في نفس الآن استحضار عقل نقدي، وصرامة فكرية مع حساسية سوسيو-سياسية، ومعرفة دقيقة بالتحولات التي يشهدها المجتمع الريفي. فبدل المزيد من وَصْم الساكنة الريفية والنظر إليها من زاوية تحليلية مثقلة بالإرث الكولونيالي التي تذكي الثنائيات : بلاد السيبة (التمرد السياسي)/بلاد المخزن، بربر/عرب، سهول/جبال، إلخ، علينا استخلاص الدروس حول ما يجري لفهم ما هو جوهري وخاصة ما له صلة بالاقتصاد السياسي في هذه المنطقة.
لا يمكننا تبخيس أية حركة احتجاجية عبر استهداف الساكنة- جماعات وأفرادا - التي تنخرط فيها عبر التشكيك في انتمائهم الوطني والديني. فالتعبئة التي يمارسها أصحاب القرار السياسي للحط من الحراك والتشكيك في مصداقيته عبر اتهامه بإثارة الفتنة كل ذلك لن تكون له إلا عواقب عكسية، طالما أن هذه التعبئة عاملُ تفرقة يقود إلى توسيع الهوة بين ساكنة الريف وباقي المواطنين. إن الحراك حقل احتجاج يجد مرجعيته في دينامية تتطلع إلى القطع مع الأساليب القديمة في الممارسة السياسية. ولعله من الواضح أن الحراك حركة فعل جماعي تنتج دينامية مجتمعية جديدة، وأشكالا جديدة من الخطاب والمعني تُوَلـِّـد أنماطا تعبوية جديدة.
فكيف يمكننا أن نفسر المفارقة بين حيوية حراك الريف والحركات الاحتجاجية عموما وبين نسب المشاركة الضعيفة في الانتخابات التشريعية لسنة 2016 (التي سجلت 28% كنسبة مشاركة)؟ وبعيدا عن تعيين أكباش فداء ("الطبقة السياسية"، "الأحزاب السياسية" ...)، فإن هذه الأحداث تستدعي فحص مجموع العوامل التي ساهمت في نزع الثقة عن صناديق الاقتراع وتقويض دور المنتخبين بصفتهم ممثلي الشعب. في هذا الصدد، تظل مفاوضات تشكيل الحكومة موضوع تساؤل؛ إذ تم وصف هذه الوضعية بالعرقلة (البلوكاج)، وهو توصيف قوي ودال، كشف بوضوح عن علاقات قوة غير متكافئة بين مؤسسات الدولة والأحزاب السياسية سواء المنتمي منها إلى المعارضة أو الأغلبية. ويكشف إصرار المحتجين من حراك الريف على رفع مطالبهم إلى القصر الملكي باعتباره المخاطب الوحيد الموثوق فيه عن الصعوبات التي تنتصب في وجه المنتخبين للعب دورهم الكامل كوسطاء ونقل صوت شباب كل أحلامه وتطلعاته مُحبَطة. إن غياب قنوات تمثيلية موثوق بها عُمّق هشاشة ثقافة الحوار وغَذّى ثقافة الصدام.
ليست مطالب حراك الريف حكرا على هذه الجهة المهمشة، بل هي تعني كل المغاربة المتطلعين لحياة كريمة ومستقبل أفضل لهم ولأبنائهم : عدالة اجتماعية، توزيع منصف للثروات، حكامة جيدة وتنمية اقتصادية مستدامة. وبخلاصة، ممارسات ديمقراطية فعلية. رغم ذلك، إذا عبر المغاربة بالريف عن هذه الرغبة اليوم بنوع من الحزم، فإن ساكنة الجهات الأخرى، على امتداد التراب الوطني، قد لا تتأخر في إطلاق حراكها طالما أن الوضعية لم تتغير بشكل ملموس وإيجابي. فالبعض يعاني فعلا من فساد بنيوي ومن شتى أشكال الهشاشة والإقصاء، مع غياب تام لأية آفاق للازدهار وللتنمية.
إن دور الباحث في حقل العلوم الاجتماعية – السوسيولوجيون، الأنثربولوجيون، المؤرخون، علماء السياسة، الاقتصاديون، الجغرافيون ... - هو، تحديدا، دراسة وتأمل التغيرات التي يعيشها مجتمعهم المتطور. كل وفق تخصصه ومن موقعه، إنهم فاعلون ومنتجو المعرفة النقدية واليقظة التي ترفض الانصياع للخطاب السياسي-الإعلامي السائد والمعلّب. يمكن لحراك الريف أن يمثل فرصة لإعادة التفكير في التغيير السوسيو-سياسي، والمآل السياسي-الاقتصادي للبلاد، والمخاطر السياسية الحقيقية والتي تعيق سيرورات للدمقرطة الفعلية.
لا تدعي العلوم الإنسانية والاجتماعية أنها تتناول فقط المشكلات المعاصرة والآنية، بل تقدّم أيضا تحاليل مبنية على ملاحظات للواقع الاجتماعي على أمد طويل، وصارمة، ودقيقة لكل أولئك الذين يفكرون أن رهانات الغد تقتضي إجراءات مبتكرة ومستدامة، وإلى كل النساء والرجال الذين تحفزهم قيم المستقبل، ويرغبون في المساهمة في النقاش العمومي بتعقيداته، وتثيرهم الموضوعات الجديدة، والحلول الأصيلة. إن رسالتنا تكمن في تناول الوقائع كمشكلات وليس كحلول، إنها تكمن في التعاطي معها في حيويتها وشموليتها دون عزلها عن غنى تداخل تخصصات علومنا الإنسانية والاجتماعية. إن أبحاثنا ليس مطلوبا منها الارتباط بالتوجّه الذي يريد تعويض تاريخ المصير الكوني لتطور الكائن الإنساني بتاريخ طريف وتخَيُّـلي. على البحث أن يسمح للمواطنين تبنى رؤية دراسية سياسية صرفة، أي راسخة في المجتمع. عليها أن تغذي مواطنة المغاربة كافة رجالا ونساءاً.
في مشهد يتسم بالانشطار بفعل الإعلام والصورة، تبرز الحاجة إلى امتلاك القدرة على ارتياد سبيل التعقيد. فالتنوير ليس سوى إعادة وضع الأشياء في سياق تاريخي، وضمن مجالات بدل واحد. أن تناقش، وتستمع إلى الآراء المتناقضة، والتريث في التفكير، وكذلك تجنب الإساءة إلى الأماكن المشتركة، وهو ما يسمح باستبعاد التبسيطات المبتذلة، ونبذ بساطة الإثبات والتقليل من ركاكة اللغة.
ليس هدف معرفتنا التكهن بالمستقبل. إنها وسيلة لتحليل تعقيدات أشكال التغيرات، والتوترات، والمعاناة الاجتماعية التي تعرفها بلادنا. إننا نعي بأن حراك الريف هو فرصة ليس فقط لإعادة التفكير في الحكامة ببلادنا، وعزل الممارسات السيئة من قبيل الرشوة أو العنف البوليسي، ومعالجة الاقتصاد اللامهيكل وغير المشروع إلى جانب أشكال الهشاشة والإقصاء التي تفسد العيش المشترك، والحق في التنمية، والولوج المنصف للموارد، وما إلى ذلك؛ ولكن أيضا لمناقشة مستقبل بلادنا، واقتراح الحلول اللازمة.
الموقعون الأوائل:
Khalid Mouna (anthropologue, Université Moulay Ismail, Meknès),
Kenza Afsahi (sociologue économiste, Centre Émile Durkheim, CNRS-Bordeaux),
Noureddine Harrami (anthropologue, Université Moulay Ismail, Meknès),
Zakaria Rhani (anthropologue, Institut Universitaire de Recherche Scientifique, Rabat),
Mounia Bennani-Chraibi (politologue, Institut d’Etudes Politiques, Historiques et Internationale, Lausanne),
Mimoun Aziza (historien, Université Moulay Ismail, Meknès),
Mehdi Alioua (sociologue, Université Internationale de Rabat),
Zhour Bouzidi (sociologue, Université Moulay Ismail, Meknès),
Khalid Tinasti (Global commission on Drugs, Genève),
Jamal Bellakhdar (ethnobotaniste, Rabat),
Abdellah Hammoudi (anthropologue, Université de Princenton),
Mohammed El Rhailani (philosophe, Université Moulay Ismail, Meknès),
Mohamed Jahah, (sociologue, Université Moulay Ismail, Meknes),
Mustapha Merizak (sociologue, Université Moulay Ismail, Meknès),
Amar Idil (géographe, Université Moulay Ismail, Meknès),
Zoubir Chattou (anthropologue, Ecole Nationale d’Agriculture, Meknès),
Mohamed Fadil (sociologue, Université Sidi Mohamed Ben Abdellah, Fès),
Driss Maghraoui (historien, Université Al Akhawayn, Ifrane),
Saloua Zerhouni (politologue, Université Mohamed V, Rabat),
Jamal Khalil (sociologue, Université Hassan II, Casablanca),
Leila Bouasria (sociologue, Université Hassan II, Casablanca),
Abdelhakim Aboulouz (politologue, Université Ibn Zhor, Agadir),
Hassan Daide (géographe, Université Sidi Mohamed Ben Abdellah, Fès),
Abdelouahab Nejjari (géographe, Université Moulay Ismail, Meknès),
Nizare Messari (politologue, Université Al Akhawayn, Ifrane),
Driss Benlarbi (sociologue, Université Moulay Ismail, Meknès),
Leila Boufrioua (démographe, Université Moulay Ismail, Meknès),
Abdessalam Bouhlal (géographe, Université Moulay Ismail, Meknès),
El Hassane Abdelloui (psycho-sociologue, Ecole Nationale d'Agriculture, Meknès),
Abdelfattah Ezzine (sociologue, Institut Universitaire de Recherche Scientifique, Rabat),
Kamal Mellakh (sociologue, Université Hassan II, Casablanca).
30 juillet 2026 - 17:00
30 juillet 2026 - 11:00
29 juillet 2026 - 11:00
27 juillet 2026 - 14:00
27 juillet 2026 - 13:00
مواطن حمدي