يوسف لخضر
أصدر مركز مغارب للدراسات في الاجتماع الإنساني، الذي يوجد مقره بالعاصمة الرباط، ورقة حول حراك الريف في محاولة لتشخيص الأزمة وتقديم مقترحات التدبير لهذا الملف.. وهي خلاصة عمل مجموعة تفكير ضمت نخبة من المفكرين والأكاديميين والباحثين في مختلف التخصصات العلمية والمعرفية.
الورقة، الصادر أمس عن المركز، تبدأ بتشخيص الحراك، بالقول إن السبب المباشر فيه كان حادثة وفاة محسن فكري وما صاحبها من حراك قوي، لكن رغم مبادرة الدولة لاحتواء الموقف برزت أزمة الثقة بين الساكنة والهيئات المشرفة على التحقيق، وبالتالي كانت النتيجة عدم قبول الأحكام القضائية الصادرة تجاه المتورطين في مقتل بائع السمك.
تقول الورقة إن هذا الأمر أدى إلى الانتقال إلى مرحلة عدم الثقة بين سكان المنطقة والدولة، ومع نمو الحراك وتوسعه، انتقلت المشكلة من التحقيق في أسباب الجريمة إلى البحث عن الجذور السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية.
أما الأسباب غير المباشرة، حسب المركز، فتتمثل في كون المشاريع المدرجة لتنمية المنطقة تفتقر إلى عوامل الاستدامة والاستمرارية والمردودية المباشرة بالنسبة للساكنة، إضافة إلى غياب مشروع حقيقي للتنمية في المنطقة، وعدم إنجاز حزمة مشاريع أطلقها الملك محمد السادس، إضافة إلى ضعف البنيات التحتية مما أسهم في تكريس العزلة والتهميش.
هذا الوضع يطرح، حسب مركز مغارب، إشكال علاقة السياسات العمومية بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ما يترتب عنها من غياب الحكامة في معالجة الملف.
ويضيف: “هذا الأمر جعل الحراك السلمي ينمو أمام أعين السلطة التي ظلت تترقب وبشكل غير مفهوم دون القيام بأي فعل على مدار أشهر، إلى أن صار محل اهتمام ومتابعة في الداخل والخارج وهو ما أسهم في بروز قيادات غير مؤطرة سياسياً لملء الفراغ الذي خلفته الدولة والمؤسسات المنتخبة محلياً وجهوياً”.
الأزمات الواقعية
يرى مركز مغارب أن الحراك الاجتماعي والسياسي في الحسيمة أبرز جملة من الأزمات الواقعية، أولها أزمة التمثيلية لدى الأحزاب السياسية والنقابات والمؤسسات السياسية المنتخبة المفروض فيها القرب من المواطن كالجماعات الترابية بمختلف أنواعها.
الأزمة الثانية هي أزمة مصداقية النخب السياسية، حيث تشير الورقة إلى أن المفروض فيها القيام بالوساطة بين المواطنين والسلطة السياسية عبر المؤسسات السياسية، هذا الأمر يثير مشكل شرعية الإنجاز لدى هذه النخب من خلال رفض المتظاهرين لأي دور لها طيلة الحراك.
الأزمة الثالثة تتجلى، حسب الورقة، في تخبط المؤسسات الحكومية وتناقض سياساتها في التعامل مع الأزمة، وذلك يتجلى في تذبذب مواقفها وتضارب تصريحاتها حسب ميزان قوى الحراك، وهو ما رسخ فقدان المصداقية والثقة بين المتظاهرين والحكومة وألغى الوساطة بينهما. وأصبح الاستنجاد بالملك رأساً بمثابة حل نهائي ورد فعل على التدبير الحكومي السيء للأزمة.
لماذا تنامى الحراك؟
ما ميز حراك الحسيمة هو استمرارته لمدة طويلة، زادت عن السبعة أشهر، لكن ما السبب؟ تجيب الورقة التحليلية لمركز مغارب أن ذلك يعزى أساساً إلى سلمية الحراك وتأكيد ممثليه لمشروعيته النابعة من طبيعة مطالبه الاجتماعية والاقتصادية، وابتعادها هما هو أيديولوجي وسياسي، واتفاقها على أن سبب الأزمة هو “الفساد” الظاهر منه والخفي، إضافة إلى سوء تدبير الملف بغياب الحكامة الرشيد، وتفاعل الإعلام الرقمي أعطاه بعداً وطنياً وعالمياً.
مخارج وحلول مقترحة
يرى مركز مغارب أن التفكير في سبل الخروج من هذه الأزمة ينبغي أن يكون على ثلاثة مستويات: القريب والمتوسط والبعيد.. ونبه من أنه يصعب الاكتفاء بحلول مهدئة لتسكين الأزمة، لأنه تغدو نوعاً من الترقيع الذي سيعيد إشعال الأزمة لاحقاً وبشكل أقوى وأوسع.
1 - المقاربة السياسية: يقترح المركز إيقاف حملة الاعتقالات المتعسفة والعمل على الإفراج عن المعتقلين السياسيين وإنهاء كل مظاهر العسكرة، والحفاظ على الوحدة الوطنية والابتعاد عن تبخيس الرموز الوطنية والجهوية والهوياتية.
كما تقترح ورقة المركز تجنب القيام بمظاهرات مضادة ترفع صور الملك، مما يفضي إلى إقحام ملك البلاد باعتباره رمزاً لوحدة الوطن والمواطنين والحكم بين المؤسسات في صراع سياسي قد تكون نتيجته تبخيس الرموز.
وتشدد الورقة على ضرورة الحد من طيش بعض المحللين والإعلاميين الذي يزيد من إشعال فتيل الصراع، وهو ما أدى في تجارب عربية مشاهبة إلى حروب أهلية، وهذا ما يحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية والحقوقية للمشرفين على الإعلام.
وجعل المركز من التدخل الملكي من بين الحلول المقترحة، إن اقتضت الضرورة الموضوعية لذلك، باعتبار الضامن لسيرورة إعادة المصداقية لصفوف مواطني المنطقة، إضافة إلى فرز ممثلين عن الحراك يشكلون جسوراً للحوار والتواصل من أجل قطع الطريق على الخيارات العدمية.
كما يقترح تشكيل لجنة تقصي الحقائق من ممثلي الحراك والدولة والحقوقيين والمجتمع المدني، إضافة إلى إقرار سياسة جديدة للتقسيم الترابي لمنطقة الريف تنبني على التوافق، وتغلب المصلحة العليا للوطن على الحسابات السياسية الضيقة.
2 -المقاربة التنموية: يقترح مركز مغارب كمخرجات لهذه الأزمة ضرورة مراجعة مشروع منارة المتوسط، وإعادة تكييفه بما يستجيب لمطالب الساكنة واحتياجاتهم الحقيقية في البحث عن عمل قار ودائم، ومحاربة الفقر والبطاقة والعيش بكرامة.
كما يتقرح تخصيص ميزانيات أكبر من الإنفاق الحكومي على مواطني الريف ليبلغ المعدل الوطني، ووضع لأجندة لأجراة الملف المطلبي في أبعاده التنموية وتقوية أدوات الرصد والتتبع.
3 -المقاربة الثقافية: يقول المركز إن معالجة الجذور العميقة للأزمة لا تتعلق فقط بالمطالب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وإنما بالموروث التاريخي أيضاً، ويعتبر أن مصالحة الدولة مع المنطقة لم تجعل محورها الإنسان، بل ركزت على بعض مشاريع التنمية التحتية.
ويقترح في هذا الصدد انتهاج تربية مدنية يتسع فيها أفق المواطن، والابتعاد عن التصنيف الإثني والأيديولوجي الذي يفتت اللحمة الوطني، وجبر الضرر التاريخي جراء ما يعتبره “جروحاً عميقة راسخة في الوعي الحمعي لأبناء منقطة الريف، بتفعيل توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة”.
إضافة إلى محاربة الصور النمطية التي تلصق بالريف وأهله بفعل التجييش الإعلامي، وتثمين الإرث الثقافي للريف انطلاقاً من مبدأ التنوع المميز للمغرب لغوياً وإثنياً وثقافياً.
يمكن تحميل ورقة مركز مغارب بالضغط هنا
30 juillet 2026 - 17:00
30 juillet 2026 - 11:00
29 juillet 2026 - 11:00
27 juillet 2026 - 14:00
27 juillet 2026 - 13:00
مواطن حمدي