بقلم : عمر لمغيبشي
أعادت موجة الهجرة الجماعية غير المسبوقة التي شهدتها مدينة سبتة في أواخر يوليوز 2026 إدراج هذه المدينة العتيقة في صلب النقاشات الأمنية والجيوسياسية في غرب البحر الأبيض المتوسط، بعد أشهر قليلة فقط من اعتقاد كثير من المراقبين أن مرحلة التوتر الحاد بين المغرب وإسبانيا قد أصبحت جزءا من الماضي. ولم تكن أهمية هذه الموجة مرتبطة فقط بعدد الوافدين الذي بلغ نحو 60 ألف مهاجر خلال أيام، أو بالعبء الإنساني واللوجستي الهائل الذي فرضته على مدينة لا يتجاوز عدد سكانها 83 ألف نسمة، وإنما بما أعادت إنتاجه من أسئلة جوهرية حول مستقبل سبتة ومليلية، وحول حدود العلاقة المغربية الإسبانية في مرحلة ما بعد التقارب، وحول الدور الذي تؤديه القوى الدولية الكبرى - وفي مقدمتها الولايات المتحدة - في إعادة صياغة توازنات المنطقة وفق أجنداتها الاستراتيجية المتغيرة.
فاللافت في توقيت هذه الأزمة أنها جاءت بعد أربعة أشهر فقط من نشر الباحث الأمريكي مايكل روبين، التابع لمعهد المشاريع الأمريكية (AEI)، مقالين متتاليين شكلا، من حيث المضمون والتوقيت، تحولا لافتا في الخطاب الصادر عن بعض دوائر التفكير الأمريكية المحافظة بشأن وضع المدينتين المحتلتين. ففي 12 مارس 2026، نشر روبين مقاله الأول تحت عنوان "Trump should formally recognize Ceuta and Melilla as occupied Moroccan territory"، دعا فيه الإدارة الأمريكية إلى الخروج عن الموقف التقليدي القائم على الحياد والاعتراف رسميا بسبتة ومليلية باعتبارهما «أراض مغربية محتلة». ولم يكتف بذلك، بل عاد في 16 مارس 2026 لينشر مقاله الثاني الأكثر إثارة للجدل تحت عنوان "Morocco Should Send a New Green March into Ceuta and Melilla"، الذي دعا فيه المغرب إلى تنظيم «مسيرة خضراء جديدة» نحو المدينتين، مقترحا أن يتجمع المغاربة ويرسلوا جرافات إلى الحدود ثم يدخلوا سبتة ومليلية دون سلاح لرفع العلم المغربي، معتبرا أن حلف الناتو لن يكون له مبرر للتدخل حتى لو دخلت القوات المغربية المدينتين "لاستعادة النظام".
وبعد يوم واحد فقط من نشر المقال الثاني، خصصت صحيفة El País الإسبانية تحقيقا مطولا لهذه الدعوة، معتبرة أنها تمثل خروجا خطيرا عن الخطاب التقليدي في الولايات المتحدة، ونقلت ردود فعل سياسية وإعلامية واسعة في مدريد، كما استعرضت قراءات مغربية رأت في توقيت المقالات مؤشرا على تحولات أوسع في البيئة الجيوسياسية المحيطة بالمنطقة. ولكن عندما اندلعت أزمة الهجرة بعد أشهر قليلة، عاد هذان المقالان إلى واجهة النقاش من جديد وبقوة، حيث رأى بعض المعلقين أن الأزمة أعادت إحياء الأسئلة التي أثارها روبين بشأن هشاشة الوضع القائم في المدينتين، بينما اعتبر آخرون أن الربط بين المقالات والأحداث اللاحقة لا يعدو أن يكون قراءة لاحقة فرضها التزامن الزمني بين الخطاب والحدث.
غير أن هذا السجال الفكري، مهما بلغت حدته ونقاشاته، لا ينبغي بأي حال أن يحجب الحقائق الثابتة والراسخة على الأرض، والتي تؤكدها الوقائع والمواقف الرسمية: أن سبتة ومليلية مدينتان مغربيتان محتلتان منذ قرون، وأن المغرب يمارس سيادته التاريخية والقانونية على أراضيه، وأن التعاون الأمني والاستخباراتي بين المغرب وإسبانيا لم يتوقف لحظة واحدة رغم كل الضغوط والتجاذبات. ومن هذا المنطلق، يستوجب التحليل الموضوعي للأزمة تفكيك عناصرها الأساسية في محورين متكاملين: الأول يتعلق بالسيادة التاريخية المغربية والمسؤولية الأمنية التي أثبتها المغرب على الأرض، والثاني يتعلق بالعوامل الحقيقية التي أدت إلى اندلاع الأزمة ودور التسييس الخارجي في تضخيمها واستغلالها لأغراض لا تمت بصلة للأزمة الإنسانية نفسها.
السيادة التاريخية والمسؤولية الأمنية المغربية
يؤكد الموقف الرسمي الثابت للمملكة المغربية، المدعوم بوثائق تاريخية وقانونية لا تقبل الجدل، أن سبتة ومليلية مدينتان مغربيتان محتلتان، وهو موقف لم يتغير منذ استقلال المغرب عام 1956، وظل حجر الزاوية في أي نقاش جاد حول مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية. فالتاريخ يشهد بأن سبتة كانت قاعدة انطلاق الفتح الإسلامي بقيادة طارق بن زياد، وظلت جزءا عضويا من المغرب حتى احتلها البرتغاليون عام 1415، ثم انتقلت إلى الإسبان عام 1580. أما مليلية، فقد سقطت في يد الإسبان في وقت مبكر عام 1497، في ظل ظروف تاريخية لا تختلف عن بقية الاحتلالات الأوروبية لشمال إفريقيا. وهذا الاحتلال لم يعترف به المغرب يوما، ولا تزال المدينتان مدرجتين على لائحة الأمم المتحدة للأراضي غير المستقلة، في وضع جيوسياسي شاذ وفريد من نوعه، إذ تشكلان الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي مع القارة الإفريقية، وهو ما يمنحهما حساسية استثنائية ويجعلهما نقطة التقاء للصراعات الإقليمية والدولية.
وانطلاقا من هذا الموقف التاريخي والقانوني، يمارس المغرب سياسة متزنة ومسؤولة تجاه المدينتين، تجمع بين التمسك بالحق السيادي وبين التعاون العملي مع إسبانيا في الملفات ذات الاهتمام المشترك. وهذا ما تجلى بوضوح في التعامل مع أزمة الهجرة الأخيرة، حيث خلافا للروايات المغرضة التي حاولت تصوير المغرب كدولة «تسلح الهجرة» أو تستخدمها كورقة ضغط، فإن الوقائع الميدانية ترسم صورة مختلفة تماما وتؤكد أن المغرب كان جزءا من الحل وليس من المشكلة. فقد تعاون المغرب مع إسبانيا منذ اللحظة الأولى لإعادة المهاجرين غير النظاميين إلى أراضيه، وأكدت وزارة الداخلية الإسبانية في بيانات رسمية متتالية أن القوات الأمنية المغربية ظلت تمنع وصول أعداد كبيرة ممن كانوا يحاولون الوصول إلى سبتة، وأن التعاون الأمني بين البلدين ظل قائما على أعلى المستويات.
ولم يكتف المغرب بذلك، بل إن الحكومة الإسبانية نفسها، ممثلة في وزير داخليتها فرناندو غراندي-مارلاسكا، وصفت المغرب بأنه «شريك موثوق تماما» وأنه «لا يشكل أي تهديد» لسبتة أو لإسبانيا، وهو اعتراف رسمي صادر عن أعلى المستويات الأمنية في مدريد يسقط أي ادعاءات أو تكهنات حول تورط المغرب في تنظيم الأزمة أو تسهيلها. والأكثر دلالة على ذلك أن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز نفسه، في خطابه أمام البرلمان الإسباني، حمل «عصابات تهريب البشر» المسؤولية الكاملة عن التدفق الجماعي، متفقا في ذلك تماما مع المصادر المغربية الرسمية التي اتهمت المنظمات الإجرامية بالوقوف وراء هذه الموجة المأساوية.
فالمغرب، الذي يستضيف على أراضيه مئات الآلاف من المهاجرين من دول جنوب الصحراء، وينفق ميزانيات ضخمة على إيوائهم ورعايتهم وتوفير الخدمات الأساسية لهم، تحرك بسرعة وحزم لإعادة الأوضاع إلى طبيعتها، ونجح بالتعاون الوثيق مع السلطات الإسبانية في إعادة أكثر من 48 ألف مهاجر إلى المغرب خلال أيام قليلة. ومن هنا، يبرز السؤال المنطقي الذي لا مفر منه: كيف يمكن اتهام دولة بإحداث أزمة هي نفسها التي سارعت إلى احتوائها وتحملت أعباءها؟ كيف يمكن تصوير دولة تبذل قصارى جهدها لحماية حدودها وتعاونها الأمني مع جارتها على أنها «تسلح الهجرة»؟
إن هذا التناقض الصارخ بين الاتهامات والوقائع يكشف عن وجود أجندات أخرى وراء الحملة الإعلامية التي استهدفت المغرب، ويؤكد أن المغرب كان ولا يزال طرفا مسؤولا وملتزما بمواجهة تحديات الهجرة غير النظامية التي تهدد استقرار المنطقة بأكملها. وبناء على ذلك، فإن أي قراءة موضوعية للأزمة لا يمكنها أن تتجاهل هذا الدور الإيجابي الذي لعبه المغرب، والذي أشادت به حتى أعلى المستويات الرسمية في إسبانيا نفسها.
العوامل الحقيقية للأزمة وتسييس الهجرة خارجيا
إذا كانت الاتهامات الموجهة إلى المغرب تفتقر إلى أي سند واقعي، فإن العوامل الحقيقية التي أدت إلى انفجار هذه الأزمة الإنسانية المأساوية تكمن في مكان آخر، وتحديدا في قرارات وتطورات تقع بالكامل ضمن المسؤولية الإسبانية والأوروبية، بالإضافة إلى دور المعلومات المضللة التي تستغل أوضاع المهاجرين ويأسهم. وأول هذه العوامل، بل وأهمها، هو قرار المحكمة العليا الإسبانية رقم 814/2026، الصادر في يوليوز 2026، والذي قضى بشكل مفاجئ بعدم الإرجاع الفوري للمهاجرين غير النظاميين الذين يتم اعتراضهم في البحر. فمن الناحية العملية، شكل هذا القرار حافزا قويا ومباشرا لعصابات تهريب البشر، التي استغلت الثغرة القانونية التي أحدثها القرار لتشجيع آلاف المهاجرين على عبور البحر إلى سبتة، عالمين ومتأكدين أنهم لن يعادوا إلى المغرب فورا، بل سيكون بإمكانهم الاستفادة من الإجراءات القانونية المطولة التي قد تتيح لهم البقاء في الأراضي الأوروبية.
وهذا القرار الإسباني لم يكن وحده الكافي لإشعال الأزمة، بل تزامن مع ظاهرة أخرى لا تقل خطورة، وهي انتشار المعلومات المضللة والإشاعات المغرضة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات المراسلة، حيث روجت عصابات التهريب وحسابات مشبوهة لإشاعات عن «فتح الحدود» و«تسهيل العبور» و«تغيير السياسات الإسبانية تجاه المهاجرين»، ما دفع الآلاف من الشباب المغربي والأفريقي إلى المخاطرة بحياتهم والانطلاق في رحلة محفوفة بالموت بحثا عن حلم أوروبي. وهذه الاستراتيجية الممنهجة تستغل أوضاع المهاجرين الاقتصادية والاجتماعية اليائسة، وتحولهم إلى أداة في صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
لكن الأكثر إثارة للانتباه في هذا السياق هو التسييس الخارجي الممنهج لهذه الأزمة الإنسانية، والذي يكشف عن وجود جهات دولية تسعى لخدمة أجنداتها الخاصة على حساب أرواح البشر واستقرار المنطقة. فهنا تبرز المفارقة الكبرى: في الوقت الذي كانت فيه السلطات المغربية والإسبانية تعملان معا على احتواء الأزمة وإعادة المهاجرين، نجد جهات أوروبية أخرى تسارع إلى تعليق اتفاقيات شنغن مع إسبانيا والمطالبة بعقوبات اقتصادية ودبلوماسية ضد مدريد، في مشهد يعكس بوضوح أن هناك من كان يتربص لإحداث شرخ في العلاقات الأوروبية الداخلية، ومن كان يسعى لاستغلال معاناة المهاجرين لأغراض سياسية ضيقة.
وهنا يبرز السؤال المشروع حول التوقيت المريب لمقالات مايكل روبين التي صدرت قبل أربعة أشهر من الأزمة ودعت صراحة إلى «مسيرة خضراء جديدة» نحو سبتة ومليلية. فهل كان روبين ومعهد المشاريع الأمريكية يختبران ردود الفعل، ويمهدان إعلاميا وسياسيا لسيناريو قد يتحقق على الأرض لاحقا؟ أم أن الأزمة جاءت لتخدم هذه الأجندة التي رسمها الخطاب الاستراتيجي الأمريكي المحافظ، والذي يرى في الضغط على إسبانيا وتقويض موقفها في سبتة ومليلية وسيلة لإعادة تشكيل التحالفات في غرب المتوسط؟ إن التزامن بين الحملة الإعلامية الأمريكية المكثفة ضد إسبانيا، والتي شملت اتهامات لوزير الدفاع هيغسيث وتهديدات ترامب التجارية وتسريبات البنتاغون حول تعليق عضوية إسبانيا في الناتو، وبين توقيت الأزمة الميدانية، يطرح أسئلة مقلقة حول وجود نسق استراتيجي واسع يهدف إلى خلط الأوراق في المنطقة.
وفي هذا المشهد المعقد، يبقى المغرب ثابتا على موقفه المبدئي والواضح: السيادة المغربية على سبتة ومليلية حق تاريخي وقانوني لا يسقط بالتقادم ولا يقبل المساومة، والهجرة الإنسانية ليست سلاحا يوجه ضد أحد، بل هي ظاهرة إنسانية واجتماعية تتطلب مقاربة شاملة تقوم على التعاون والمسؤولية المشتركة. والمغرب، الذي أثبت مرارا مسؤوليته في مواجهة التحديات المشتركة مع جيرانه الأوروبيين، يدعو إسبانيا إلى حوار جاد وبناء حول مستقبل المدينتين، بعيدا عن التجاذبات الإعلامية والتسييس الانتخابي، وقبل كل شيء، بعيدا عن الاستغلال الخارجي الذي لا يخدم سوى أجندات القوى الكبرى التي تنظر إلى المنطقة كساحة للصراع وليس كفضاء للتعاون.
في ضوء ما تقدم، يمكن الخروج بعدة استنتاجات جوهرية تميز بوضوح بين الوقائع والتحليل والفرضيات، وتضع النقاط على الحروف في أزمة سبتة الأخيرة.
أولا-الوقائع الثابتة تؤكد أن سبتة ومليلية مدينتان مغربيتان محتلتان، وهو موقف تاريخي وقانوني لا يتزعزع، وأن المغرب لعب دورا محوريا وإيجابيا في احتواء أزمة الهجرة، وتعاون مع إسبانيا لإعادة المهاجرين وحماية الحدود، وحظي بإشادة رسمية من أعلى المستويات الإسبانية التي وصفته بالشريك الموثوق. وهذا يؤكد أن المغرب ليس طرفا في إشعال الأزمات، بل شريكا مسؤولا في حلها.
ثانيا- التحليل الموضوعي للأزمة يكشف أن العوامل الحقيقية المسببة لها تكمن في قرار المحكمة العليا الإسبانية الذي فتح الباب أمام عصابات التهريب، وفي المعلومات المضللة التي استغلت يأس المهاجرين، وليس في أي دور مغربي مفترض. وأي محاولة لتحميل المغرب المسؤولية هي محاولة متعمدة لخلط الأوراق وتبرير الفشل الأوروبي في ضبط سياسات الهجرة.
ثالثا- تبقى الفرضية الأكثر إثارة للجدل هي العلاقة بين مقالات روبين والأزمة، حيث أن التوقيت المريب للحملة الإعلامية الأمريكية، التي سبقت الأزمة بأشهر ودعت إلى مسيرة خضراء وأعادت تأطير النقاش حول سبتة ومليلية، يطرح أسئلة مفتوحة حول وجود جهات دولية تسعى لتوظيف الهجرة كورقة في صراعاتها الجيوسياسية، دون أن تثبت الأدلة وجود تنسيق مباشر أو سببية حتمية بين الخطاب والحدث.
وأخيرا، يظل الموقف المغربي ثابتا لا يتزعزع: السيادة ليست للتفاوض، والهجرة الإنسانية ليست سلاحا، والمغرب شريك ومسؤول، وما يحدث في سبتة ومليلية هو حلقة في صراع أوسع حول إعادة رسم خريطة النفوذ في غرب المتوسط، وفيه تختلط الإيديولوجيات بالمصالح، وتتداخل الأكاديميا بالسياسة، وتتحول الأرواح البشرية إلى أرقام في معادلات القوى الكبرى. وهذا ما يتطلب يقظة دبلوماسية وإعلامية واستراتيجية من المغرب وجيرانه الأوروبيين، لضمان ألا تتحول المنطقة إلى ساحة لتجارب الآخرين.
05 juin 2026 - 12:00
12 février 2026 - 14:30
23 janvier 2026 - 19:00
11 janvier 2026 - 19:00
07 janvier 2026 - 20:00
مواطن حمدي